جاري التحميل الآن

الأونروا في لبنان: حين تتحول الخدمة إلى امتياز بدل أن تكون حقاً

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في لبنان مجرد تذمّر عابر من نقص خدمة هنا أو تأخير معاملة هناك، بل أصبحت لدى شريحة واسعة من اللاجئين الفلسطينيين تعبيراً عن أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الخدمات، ووضوح المعايير، والشفافية، والمساءلة.

وهذه الانتقادات تصبح أكثر إلحاحاً عندما نتذكر أن اللاجئ الفلسطيني في لبنان يعيش أصلاً في ظروف اقتصادية واجتماعية شديدة الصعوبة. فبحسب بيانات الأونروا، يعيش أكثر من 83% من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تحت خط الفقر الوطني، فيما تتجاوز البطالة 32%، الأمر الذي يجعل الاعتماد على خدمات الوكالة كبيراً جداً. (UNRWA)

خدمات تتراجع وحاجات تتزايد

المشكلة الأساسية أن حاجات اللاجئين تتوسع بينما لا تبدو الخدمات بمستوى هذه الحاجات. فالأونروا نفسها تقر بأن عملياتها في لبنان معرضة لضغوط التمويل المزمن، في وقت يتزايد فيه الطلب على التعليم والصحة والإغاثة والحماية. (UNRWA)

لكن نقص التمويل، وإن كان واقعاً حقيقياً، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم لكل تقصير. فاللاجئ من حقه أن يعرف: كيف تُحدد الأولويات؟ ولماذا يحصل شخص على خدمة أو مساعدة بينما يُحرم منها آخر؟ وما هي المعايير الدقيقة التي تحكم الاستحقاق؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً، بل جزء من حق اللاجئ في معرفة كيفية إدارة المؤسسة التي يعتمد عليها في حياته اليومية.

المحسوبيات: اتهام خطير يحتاج إلى شفافية

من أكثر الملفات حساسية الحديث عن «المحسوبيات» داخل الأونروا، سواء في التوظيف أو الاستفادة من بعض الخدمات أو التعامل مع الملفات.

ولا يجوز التعامل مع كل ادعاء بالمحسوبية باعتباره حقيقة مثبتة من دون أدلة محددة، لكن من الخطأ أيضاً تجاهل هذه الشكاوى أو التعامل معها باستخفاف. فقد سبق أن وجهت المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان «شاهد» انتقادات للأونروا في لبنان، وتحدثت في تقرير سابق عن مزاعم تتعلق بالمحسوبيات وغياب الشفافية في بعض التعيينات، إضافة إلى انتقادات لخفض الخدمات الصحية والاجتماعية. (الجزيرة نت)

والأخطر أن تقرير تقييم للأونروا في لبنان والأردن أشار إلى أن آليات الشكاوى والتغذية الراجعة لا تُستخدم بصورة منتظمة ومنهجية، وأن حلقات التواصل مع المستفيدين ضعيفة، مع وجود حالات لا يعرف فيها أصحاب الشكاوى كيف جرى التعامل مع شكاواهم بعد تقديمها. (UNRWA)

وهنا تحديداً تكمن المشكلة: عندما تغيب الشفافية، تبدأ الشائعات بالحلول مكان الحقائق.

إذا كانت قرارات الأونروا نزيهة وعادلة، فالحل ليس في مطالبة الناس بالصمت، بل في فتح الملفات أمام التدقيق، ونشر المعايير، وتوضيح أسباب القرارات، وإعطاء اللاجئ حق الاعتراض والاستئناف.

اللاجئ ليس رقماً في ملف

من حق الفلسطيني في لبنان أن يشعر بأن كرامته محفوظة عندما يدخل مدرسة أو عيادة أو مركزاً تابعاً للأونروا. ومن حقه أن يحصل على إجابة واضحة عندما يُرفض طلبه أو تتغير قيمة مساعدته أو يُستبعد من برنامج معين.

أما أن يجد المواطن نفسه مضطراً إلى البحث عن «واسطة» أو معرفة شخصية حتى يفهم أين وصلت معاملته أو لماذا حصل غيره على خدمة لم يحصل عليها، فهذه بيئة تقتل الثقة بالمؤسسة مهما كانت الأسباب التي تقف خلفها.

والأونروا ليست مؤسسة تجارية يستطيع اللاجئ ببساطة أن يستبدلها بمؤسسة أخرى. هي بالنسبة إلى الفلسطيني في لبنان شبكة الأمان الأساسية، خصوصاً في ظل القيود القانونية والاقتصادية التي يواجهها الفلسطينيون في لبنان. وقد وصفتها دراسات حقوقية بأنها «الرئة الحيوية» التي يعتمد عليها اللاجئون، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى وجود خلل في التواصل وغياب معايير واضحة في بعض جوانب العلاقة مع المستفيدين. (المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد))

المطلوب ليس إسقاط الأونروا بل إصلاحها

انتقاد الأونروا لا يعني الدعوة إلى إضعافها أو إنهاء دورها. على العكس، الفلسطينيون في لبنان هم أكثر الناس حاجة إلى وكالة قوية وفعالة ونزيهة.

المطلوب هو إصلاح حقيقي يبدأ من الشفافية:

  • إعلان معايير واضحة وموحدة للاستفادة من المساعدات والخدمات.
  • إنشاء آلية مستقلة وفعالة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها.
  • ضمان حق اللاجئ في معرفة سبب رفض طلبه أو تخفيض مساعدته.
  • إخضاع التوظيف والترقية لمعايير الكفاءة والشفافية بعيداً عن أي تدخل سياسي أو شخصي.
  • نشر تقارير دورية عن كيفية توزيع الموارد والمساعدات.
  • إشراك ممثلين حقيقيين عن اللاجئين في تقييم الخدمات، لا الاكتفاء بقنوات شكلية للتواصل.
  • التحقيق الجدي في أي ادعاء موثق يتعلق بالمحسوبية أو تضارب المصالح.

لقد أثبتت التجربة أن المشكلة ليست فقط في حجم الأموال التي تصل إلى الأونروا، بل أيضاً في كيفية إدارتها وكيف يشعر اللاجئ بنتائجها على أرض الواقع.

كلمة أخيرة

الفلسطيني في لبنان لا يطلب صدقة؛ إنه يطالب بحقوق وخدمات تحفظ كرامته في ظل ظروف لم يخترها. ولذلك فإن أي مؤسسة تعمل باسمه وتحت عنوان إغاثته وتشغيله مطالبة بأن تكون أكثر شفافية، وأكثر عدلاً، وأكثر قرباً من الناس.

الأونروا مطالبة بأن تسمع صوت اللاجئين لا أن تكتفي بإصدار التقارير عنهم. فالتقارير الرسمية قد تقول إن هناك مدارس وعيادات وبرامج ومساعدات، لكن المعيار الحقيقي لنجاح المؤسسة هو سؤال بسيط: كيف يعيش اللاجئ هذه الخدمات عندما يقف أمام باب المدرسة أو العيادة أو مكتب المساعدة؟

إن كانت هناك محسوبيات، فلتُكشف وتُحاسب. وإن كانت الاتهامات غير صحيحة، فلتُفنّد الأونروا بالأرقام والمعايير والشفافية. أما أن تبقى الشكاوى بلا إجابات واضحة، فهذا يضر أولاً باللاجئ، ويقوّض الثقة بمؤسسة لا غنى عنها.

فاللاجئ الفلسطيني في لبنان يستحق أكثر من مجرد استمرار الأونروا؛ يستحق أونروا عادلة، شفافة، ومسؤولة أمامه.

cropped-cropped-IMG_1006-1 الأونروا في لبنان: حين تتحول الخدمة إلى امتياز بدل أن تكون حقاً
منصة اعلامية مستقلة  7seinsaleh@gmail.com  Web   More Posts

صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء

صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء

قد تكون فاتتك