جاري التحميل الآن

لبنان إلى الهاوية باسم «المقاومة»؟

لبنان بلد صغير، لكنه يدفع منذ عقود ثمن صراعات أكبر من قدرته على الاحتمال. وبينما يعيش اللبنانيون أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيظل لبنان يدفع ثمن قرارات الحرب والسلم التي لا تكون دائمًا بيد الدولة وحدها؟

لا أحد يستطيع إنكار حق لبنان في الدفاع عن أرضه وشعبه، ولا يمكن تجاهل تاريخ الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول «المقاومة» من وسيلة مرتبطة بظرف وطني محدد إلى واقع دائم يمتلك السلاح والقرار العسكري خارج المؤسسات الرسمية.

الدولة التي لا تكون وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم تصبح دولة منقوصة السيادة. والمواطن الذي لا يعرف متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، ولا يملك القدرة على حماية بيته وعمله ومستقبله، يجد نفسه أسيرًا لصراع لا يملك قرار الدخول فيه أو الخروج منه.

لقد دفع لبنان ثمنًا هائلًا خلال السنوات الماضية: انهيار مالي، تراجع اقتصادي، هجرة واسعة، تدمير للبنية التحتية، وانقسام سياسي واجتماعي عميق. ومع كل جولة جديدة من التصعيد، يدفع المواطن اللبناني الثمن من أمنه ورزقه ومستقبل أولاده.

وهنا يجب أن يكون السؤال صريحًا: هل المطلوب أن تبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، أم أن يصبح دولة قادرة على حماية حدودها ومواطنيها من خلال مؤسساتها الشرعية؟

المشكلة ليست في كلمة «مقاومة» بحد ذاتها، بل في السؤال الأهم: من يقرر؟

إذا كانت الدولة هي التي تقرر الحرب والسلم، وهي التي تمتلك السلاح الشرعي، وهي التي تحاسب أمام الشعب، يصبح الدفاع عن لبنان جزءًا من مشروع الدولة. أما إذا تعددت مراكز القرار العسكري، يصبح لبنان معرضًا باستمرار لأن يدفع ثمن صراعات تتجاوز حدوده ومصالحه.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من المغامرات. يحتاج إلى دولة قوية، وجيش قادر، ومؤسسات تعمل، واقتصاد يعيد للناس كرامتهم، وسياسة خارجية تحمي مصالح لبنان بدل تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات.

قد يختلف اللبنانيون حول الوسيلة، لكن من الصعب أن يختلفوا حول الهدف: لبنان آمن، سيد، ومستقر، لا يكون أبناؤه وقودًا لحروب الآخرين.

المقاومة التي لا تنتهي إلى دولة قوية تبقى سؤالًا مفتوحًا. أما المقاومة التي تصبح جزءًا من مؤسسات الدولة وقرارها الوطني، فتتحول إلى عنصر من عناصر السيادة.

وفي النهاية، لا يمكن بناء وطن دائم على منطق الحرب الدائمة. لبنان يستحق أن ينتقل من زمن السلاح والانقسام إلى زمن الدولة والقانون، ومن سؤال «من يملك القوة؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نحمي لبنان؟

cropped-cropped-IMG_1006-1 لبنان إلى الهاوية باسم «المقاومة»؟
منصة اعلامية مستقلة • 7seinsaleh@gmail.com • Web •  More Posts

صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء

صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء

قد تكون فاتتك