جاري التحميل الآن

لبنان بعد سنوات الانهيار: هل تستعيد الدولة سلطتها أم تعيد إنتاج عجزها؟

بقلم: حسين محمود صالح

يميل لبنان إلى التعامل مع أزماته كما لو أنها أحداث منفصلة: أزمة رئاسة، ثم أزمة حكومة، ثم أزمة اقتصادية، ثم أزمة أمنية، ثم خلاف حول السلاح، ثم خلاف حول الإصلاحات. لكن جمع هذه الأزمات في صورة واحدة يكشف حقيقة أكثر قسوة: المشكلة اللبنانية لم تعد مجرد خلل في إدارة السلطة، بل أصبحت أزمة عميقة في مفهوم الدولة نفسها.

فلبنان يملك مؤسسات دستورية، لكنه لا يزال يكافح لإثبات أن هذه المؤسسات هي المرجعية النهائية في كل ما يتعلق بالسيادة والاقتصاد والأمن والقانون. ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة ليس من يملك الأكثرية السياسية، ولا أي طرف خرج أقوى من آخر، بل سؤال أبسط وأكثر خطورة: هل يستطيع لبنان أن يجعل الدولة صاحبة القرار النهائي، أم أن النظام سيواصل إنتاج دولة تتعايش مع مراكز قوة متنافسة؟

هذه ليست مسألة تقنية. إنها جوهر الأزمة اللبنانية.

منذ سنوات، اعتاد اللبنانيون مشاهدة السلطة وهي تنتقل من تسوية إلى أخرى. تتبدل الحكومات، وتتغير التحالفات، وتُعاد صياغة الخطابات، لكن البنية الأساسية للنظام تبقى قادرة على استيعاب كل أزمة من دون معالجة جذورها. وفي كل مرة، تُقدَّم التسوية بوصفها إنقاذًا، بينما تكون في كثير من الأحيان مجرد آلية لتأجيل المواجهة مع المشكلات التي صنعت الانهيار.

وهذا ما جعل لبنان بلدًا بارعًا في إدارة الأزمات، وفاشلًا في إنهائها.

المرحلة الجديدة، لذلك، لا ينبغي أن تُقاس فقط بتغيير الأشخاص في مواقع السلطة، بل بما إذا كان هناك استعداد سياسي حقيقي لتغيير قواعد اللعبة التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع.

أكثر هذه القواعد حساسية هو مفهوم السيادة نفسه.

فالدولة الحديثة لا تستطيع أن تكون دولة مكتملة إذا كان قرار استخدام القوة موزعًا بين مؤسساتها الرسمية وقوى أخرى تمتلك قدرات مستقلة عنها. ولا يمكن أن يكون قرار الحرب والسلام مجرد نتيجة لتوازنات سياسية أو أمنية خارج المؤسسات الدستورية. هذه ليست مسألة مرتبطة بموقف أيديولوجي من هذا الطرف أو ذاك، بل بمبدأ أساسي في أي دولة: أن تكون السلطة الشرعية هي المرجعية الوحيدة للقرار السيادي.

ومن هنا، فإن النقاش حول سلاح «حزب الله» يجب ألا يتحول إلى مواجهة طائفية أو إلى محاولة لإلغاء مكوّن لبناني واسع. المسألة التي ينبغي أن تكون في صلب النقاش هي مستقبل الدولة نفسها: هل يستطيع لبنان بناء نظام تكون فيه القوة المسلحة خاضعة بوضوح للسلطة الشرعية، ويكون فيه قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيًا مؤسساتيًا لا قرارًا منفردًا؟

إذا عجزت الدولة عن الإجابة عن هذا السؤال، فإن الحديث عن السيادة سيبقى ناقصًا مهما ارتفعت نبرته.

لكن اختزال الأزمة اللبنانية في السلاح وحده سيكون أيضًا قراءة سطحية. فلبنان لم يصل إلى هذا المستوى من الضعف بسبب عامل واحد. هناك منظومة سياسية كاملة ساهمت على مدى عقود في تحويل الطائفية من وسيلة لحماية التوازن الاجتماعي إلى آلية لإعادة توزيع النفوذ والموارد والمناصب.

أصبح الانتماء السياسي في كثير من الأحيان بوابة إلى الدولة، بدل أن تكون الدولة هي الإطار الذي يحمي المواطن بغض النظر عن انتمائه. وتحولت الوظيفة العامة إلى مساحة للتنافس السياسي، وأصبحت الواسطة جزءًا من الحياة اليومية، بينما أخذت المؤسسات تفقد تدريجيًا قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها الحكم المحايد بين المواطنين.

وحين يضعف القانون، لا تختفي الحاجة إلى السلطة؛ بل تنتقل إلى مكان آخر.

يبحث المواطن عن الزعيم بدل المؤسسة، وعن الحزب بدل الإدارة، وعن الوسيط بدل الموظف، وعن الحماية السياسية بدل الحماية القانونية.

وهكذا يصبح ضعف الدولة سببًا في تقوية الشبكات التي تضعفها.

هذه هي الحلقة التي لم ينجح لبنان في كسرها.

والانهيار المالي كان اللحظة التي سقطت فيها الأقنعة دفعة واحدة. فقد كشفت الأزمة الاقتصادية أن الاستقرار الذي عاشه لبنان لسنوات لم يكن استقرارًا مؤسسيًا، بل كان قائمًا على نموذج اقتصادي وسياسي قابل للانفجار. وحين وقع الانفجار، لم يخسر المواطن أمواله فقط؛ خسر جزءًا من ثقته بفكرة الدولة نفسها.

أصبح السؤال بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين أكثر بدائية من أي نقاش سياسي: ماذا بقي من الدولة إذا كان القانون لا يضمن العدالة، والاقتصاد لا يضمن الحد الأدنى من الأمان، والمؤسسات لا تملك دائمًا القدرة على حماية الحقوق؟

هذه الأسئلة أخطر من أي أزمة حكومية.

لأن الدول لا تنهار فقط عندما تعجز عن دفع فواتيرها؛ تنهار عندما يفقد مواطنوها الإيمان بأن مؤسساتها تستحق الدفاع عنها.

ومن هنا، فإن الإصلاح المطلوب في لبنان لا يمكن أن يكون مجرد برنامج اقتصادي أو اتفاق مالي. الاقتصاد لا يعمل في فراغ سياسي. المستثمر يحتاج إلى قضاء موثوق، والمودع يحتاج إلى نظام قانوني يحمي حقوقه، والدولة تحتاج إلى إدارة لا تتحول إلى امتداد للأحزاب، والمال العام يحتاج إلى رقابة مستقلة.

لذلك فإن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ قبل الأرقام: يبدأ من إعادة بناء الثقة.

ولا يمكن إعادة بناء الثقة من دون مساءلة.

وهنا تظهر واحدة من أكثر مشكلات لبنان حساسية: الإفلات من العقاب.

ليس المطلوب محاكمات انتقامية، ولا تصفية سياسية، ولا استخدام القضاء كسلاح ضد الخصوم. المطلوب شيء أكثر بساطة وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: أن يخضع المسؤول للقانون نفسه الذي يخضع له المواطن العادي.

إذا كان السياسي فوق المحاسبة، وإذا كانت السلطة تستطيع حماية نفسها من نتائج قراراتها، فإن أي حديث عن الإصلاح يبقى ناقصًا.

الدولة القوية ليست الدولة التي تخيف مواطنيها؛ إنها الدولة التي تجعل أصحاب السلطة يخشون مخالفة القانون.

وهذا يقود إلى مسألة أعمق: لبنان لا يحتاج إلى زعيم جديد بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات لا تحتاج إلى زعيم كي تعمل.

تاريخ لبنان الحديث مليء بالبحث عن الشخصية القادرة على «إنقاذ البلد». لكن الدولة الطبيعية لا تنتظر ظهور المنقذ. المؤسسات تستمر عندما يتغير الأشخاص، والقوانين تبقى عندما تتغير الحكومات، والسياسة العامة لا تتبدل بالكامل مع كل انتخابات.

إذا كان لبنان يريد الخروج من دورته الحالية، فعليه أن ينتقل من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات.

وهذا يعني إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة.

المواطن ليس تابعًا لزعيم سياسي، ولا زبونًا لدى حزب، ولا رقمًا في حسابات طائفية. المواطن هو صاحب الحق، والدولة هي صاحبة الواجب.

وحين يصبح الوصول إلى الحقوق مرتبطًا بالولاء السياسي، تتحول المواطنة إلى امتياز بدل أن تكون حقًا.

وهنا تكمن خطورة الطائفية السياسية بصورتها الحالية. المشكلة ليست في التنوع اللبناني، ولا في وجود طوائف ومذاهب متعددة؛ فهذا جزء أصيل من تركيب المجتمع اللبناني. المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية الطائفية إلى بنية سياسية تجعل الدولة رهينة التوازنات الطائفية، وتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى وسيلة لتعطيل المؤسسات.

لبنان لا يحتاج إلى إلغاء مكوّناته، بل إلى تحريرها من الحاجة إلى الاحتماء الدائم بالزعامة السياسية.

فالشيعي يجب ألا يحتاج إلى حزب كي يشعر بالأمان، والسني يجب ألا يحتاج إلى زعيم كي يحصل على حقه، والمسيحي يجب ألا يحتاج إلى حماية سياسية كي يثق بمستقبله، وكذلك كل لبناني، أيًا كان انتماؤه.

الحماية الحقيقية يجب أن تكون واحدة: القانون.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.

ليس المطلوب أن ينتصر فريق على فريق، ولا أن تستبدل هيمنة بهيمنة، ولا أن تتحول الدولة إلى أداة انتقام من خصوم الأمس. المطلوب أن تصبح الدولة أكبر من الجميع.

أكبر من الحزب.

أكبر من الزعيم.

أكبر من الطائفة.

وأقوى من شبكات المصالح.

وإذا كانت السلطة اللبنانية الحالية تريد بالفعل فتح صفحة جديدة، فعليها أن تدرك أن اللبنانيين لم يعودوا بحاجة إلى خطاب سياسي آخر عن «الإنقاذ». لقد سمعوا الكثير من هذه الخطابات.

ما يحتاجونه هو دليل ملموس على أن قواعد اللعبة تغيرت.

قضاء قادر على العمل باستقلالية.

إدارة عامة لا تُوزع كمكافآت سياسية.

انتخابات تستطيع إنتاج تغيير حقيقي.

اقتصاد لا يقوم على تحميل المواطنين وحدهم تكلفة الانهيار.

نظام مالي يعالج حقوق المودعين بجدية.

ومؤسسة دولة قادرة على احتكار القرار السيادي واستخدام القوة الشرعية.

هذه ليست قائمة أمنيات. إنها الحد الأدنى المطلوب كي تستعيد الدولة معناها.

وإذا فشل لبنان في ذلك، فسيبقى عالقًا في أكثر أشكال الأزمات خطورة: أزمة تبدو وكأنها تُحل، بينما هي في الحقيقة تتغير أشكالها فقط.

فالخطر الأكبر على لبنان ليس أن يختلف اللبنانيون؛ الاختلاف جزء من أي نظام سياسي حي. الخطر أن يصبح الخلاف سببًا لتعطيل الدولة، وأن تتحول التسوية من وسيلة للوصول إلى حل إلى وسيلة دائمة لمنع الوصول إليه.

لقد حان الوقت للتوقف عن السؤال عمّن ربح الجولة السياسية الأخيرة.

السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل ربح لبنان دولة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فعلى السلطة أن تثبت ذلك بالمؤسسات لا بالخطابات.

وإذا كانت الإجابة لا، فإن تغيير الوجوه لن يكون كافيًا.

لأن لبنان لا يحتاج إلى طبقة سياسية جديدة تدير النظام القديم بكلمات جديدة. إنه يحتاج إلى انتقال حقيقي من منطق النفوذ إلى منطق المؤسسات، ومن حماية الطوائف إلى حماية المواطنين، ومن التسويات التي تؤجل الأزمات إلى سياسات تعالج أسبابها.

في النهاية، ليست معركة لبنان الحقيقية بين شرق وغرب، ولا بين طائفة وأخرى، ولا حتى بين حزب وحزب.

إنها معركة بين منطقين: منطق الدولة، ومنطق الدولة التي تُدار من خارج مؤسساتها.

وفي هذه المعركة لا يكفي أن تعلن الدولة أنها صاحبة السيادة.

عليها أن تكون كذلك.

لأن الدولة التي لا تستطيع فرض القانون على الأقوياء، ولا حماية الضعفاء، ولا احتكار القرار السيادي، ولا محاسبة من يحكمونها، قد تملك علمًا ودستورًا ومؤسسات، لكنها تظل دولة ناقصة.

أما اللحظة التي يصبح فيها القانون أقوى من النفوذ، والمؤسسة أقوى من الزعيم، والمواطن أقوى من الواسطة، والقرار السيادي ملكًا للدولة وحدها، فستكون عندها بداية مختلفة فعلًا.

عندها فقط يمكن للبنان أن يقول إنه لم يعد يدير أزمته، بل بدأ يخرج منها.

2BD48413-7479-41D4-BA98-458292EC5C70 لبنان بعد سنوات الانهيار: هل تستعيد الدولة سلطتها أم تعيد إنتاج عجزها؟
cropped-cropped-IMG_1006-1 لبنان بعد سنوات الانهيار: هل تستعيد الدولة سلطتها أم تعيد إنتاج عجزها؟
منصة اعلامية مستقلة • 7seinsaleh@gmail.com • Web •  More Posts

صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء

صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء

إرسال التعليق

قد تكون فاتتك