جاري التحميل الآن

المقاومة التي ابتلعت شعوبها

المقاومة حين تتحول إلى سلطة: كيف سرق حزب الله وحماس قضية الشعوب؟

ثمة سؤال أصبح من الضروري طرحه بصراحة، بعيدًا عن التخوين والشعارات الجاهزة: متى تتوقف المقاومة عن كونها وسيلة للتحرر وتتحول إلى سلطة فوق المجتمع؟

ليس من حق حزب الله أن يتحدث باسم لبنان، كما ليس من حق حماس أن تتحدث باسم جميع الفلسطينيين. لبنان ليس حزب الله، وفلسطين ليست حماس، والشعبان أكبر من أي تنظيم مسلح مهما كان حجم شعبيته أو قدرته العسكرية.

المشكلة تبدأ عندما يتحول السلاح من وسيلة يُفترض أن تكون مرتبطة بمصلحة المجتمع إلى مصدر مستقل للقرار السياسي. عندها يصبح السؤال مشروعًا: من يقرر الحرب؟ ومن يقرر السلام؟ ومن يدفع الثمن؟

في لبنان، لم يعد سلاح حزب الله مجرد قضية مرتبطة بالصراع مع إسرائيل. أصبح جزءًا من معادلة سياسية وأمنية جعلت الدولة نفسها عاجزة عن امتلاك القرار العسكري بصورة كاملة. وتوثق تقارير حقوقية أن حزب الله مارس نفوذًا وترهيبًا ضد خصوم ومنتقدين، إلى جانب امتلاكه قوة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة. (ECOI.net)

لكن أخطر ما في الأمر هو تحويل هذا الواقع إلى عقيدة سياسية: إذا كنت مع المقاومة فأنت وطني، وإذا اعترضت عليها فأنت عميل.

هذه ليست مقاومة؛ هذه مصادرة للنقاش.

الديمقراطية لا تعني أن تمنح جماعة مسلحة نفسها حق تحديد من هو الوطني ومن هو الخائن. والوطنية لا تُقاس بعدد الصواريخ، كما أن الدفاع عن فلسطين أو لبنان لا يمنح أي تنظيم حصانة أخلاقية من النقد.

الأمر نفسه ينطبق على حماس.

يمكن للمرء أن يؤمن بحق الفلسطينيين في الحرية وإنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية، وفي الوقت نفسه يرفض أن تتحول حماس إلى ممثل وحيد للفلسطينيين أو أن يصبح السلاح هو الطريق الوحيد إلى السياسة.

القضية الفلسطينية أكبر من حماس.

الفلسطيني الذي يريد دولة ديمقراطية، وحرية سياسية، وصحافة مستقلة، وانتخابات حقيقية، ومؤسسات تحاسب السلطة، لا يصبح أقل فلسطينية لأنه يرفض حكم حركة مسلحة.

بل ربما يكون رفض احتكار القضية أكثر وفاءً لفلسطين من تحويلها إلى شعار تستخدمه الفصائل لحماية سلطتها.

المأساة أن المدنيين يدفعون غالبًا ثمن القرارات التي لا يشاركون في اتخاذها.

في لبنان، أدت المواجهات بين إسرائيل وحزب الله إلى خسائر هائلة ونزوح واسع ودمار في البنية التحتية، بينما وثقت منظمات حقوق الإنسان أيضًا انتهاكات من جانب حزب الله، بما في ذلك إطلاق صواريخ غير موجهة باتجاه مناطق مدنية إسرائيلية. (Amnesty International)

وفي غزة، دفع المدنيون الفلسطينيون ثمنًا كارثيًا للحرب، بينما بقيت حماس طرفًا مسلحًا يمتلك قرارًا عسكريًا وسياسيًا مؤثرًا في مصير مجتمع بأكمله.

وهنا يجب أن نقول شيئًا قد لا يعجب أنصار الطرفين:

لا يمكن أن تكون حياة المدنيين مجرد تفصيل في مشروع المقاومة.

الطفل اللبناني ليس وقودًا لمعادلة الردع.

والطفل الفلسطيني ليس وقودًا لمعركة لا يملك قرارها.

والمواطن الإسرائيلي المدني ليس هدفًا مشروعًا لمجرد أنه يعيش داخل دولة تخوض حربًا.

إذا كانت المقاومة تهدف إلى تحرير الإنسان، فلا يمكن أن يصبح الإنسان أول ضحاياها.

المشكلة الأعمق ليست فقط في السلاح، بل في الثقافة التي تحيط بالسلاح: ثقافة تقديس التنظيم، وتحويل القائد إلى رمز لا يُسأل، وتحويل النقد إلى خيانة، وتحويل الموت إلى بطولة سياسية مهما كانت نتائجه على المجتمع.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

إذا كانت المقاومة لا تسمح لك بأن تنتقدها، فما الذي يميزها عن السلطة التي تقول إنها تقاومها؟

حزب الله ليس لبنان.

وحماس ليست فلسطين.

والشيعة ليسوا حزب الله.

والفلسطينيون ليسوا حماس.

ومن حق اللبناني أن يكون ضد حزب الله من دون أن يكون ضد الشيعة، ومن حق الفلسطيني أن يكون ضد حماس من دون أن يكون ضد المقاومة الفلسطينية أو حقوق شعبه.

هذه التفرقة ضرورية لأن خلط التنظيم بالشعب يخدم التنظيم نفسه.

حين تقول إن انتقاد حزب الله هو عداء للبنان، فأنت تمنح الحزب احتكار تعريف لبنان.

وحين تقول إن انتقاد حماس هو عداء لفلسطين، فأنت تمنح حماس احتكار تعريف فلسطين.

وهذا بالضبط ما يجب رفضه.

نحن بحاجة إلى مقاومة مختلفة؛ مقاومة لا تحتاج إلى إلغاء الدولة، ولا إلى مصادرة السياسة، ولا إلى إسكات الصحافة، ولا إلى تخوين المعارضين، ولا إلى جعل المدنيين دروعًا في صراعات إقليمية.

المقاومة الحقيقية يجب أن تنتهي إلى دولة.

أما المقاومة التي تصبح دولة داخل الدولة، أو سلطة فوق المجتمع، فإنها تتحول تدريجيًا من مشروع للتحرير إلى مشروع للسيطرة.

فلسطين تستحق أكثر من حماس، ولبنان يستحق أكثر من حزب الله.

يستحق الفلسطيني دولة لا تخاف من مواطنيها، ولبنان يستحق دولة لا تخاف من سلاح خارج مؤسساتها.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يملك الصواريخ؟

السؤال الحقيقي هو:

من يملك حق تقرير مستقبل الإنسان؟

وإذا كانت الإجابة ليست الشعب نفسه، فإننا لم نحرر الإنسان بعد؛ لقد استبدلنا سلطة بسلطة، وشعارًا بشعار، واحتلالًا سياسيًا باحتكار جديد للقرار.

cropped-cropped-IMG_1006-1 المقاومة التي ابتلعت شعوبها
منصة اعلامية مستقلة • 7seinsaleh@gmail.com • Web •  More Posts

صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء

صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء

قد تكون فاتتك