هل يستطيع القضاء اللبناني محاسبة القوى السياسية النافذة؟
يُفترض أن يكون القضاء في أي دولة الملاذ الأخير للمواطن، والمؤسسة التي تقف على مسافة واحدة من الجميع، مهما كان موقعهم السياسي أو الطائفي أو الاجتماعي. لكن في لبنان، يطرح الواقع السياسي سؤالاً صعباً: هل يستطيع القضاء فعلاً محاسبة شخصية سياسية نافذة عندما تتعارض المحاسبة مع مصالح قوة سياسية كبيرة؟
تزداد حساسية هذا السؤال عند الحديث عن القوى السياسية الأكثر نفوذاً، وفي مقدمتها حزب الله وحركة أمل، ليس لأن المسؤولية القانونية تُفترض على أي طرف مسبقاً، بل لأن حجم النفوذ السياسي لأي جهة يمكن أن يثير تساؤلات مشروعة حول قدرة المؤسسات على العمل باستقلالية.
المشكلة لا تبدأ بالضرورة من القاضي نفسه، وإنما من البيئة التي يعمل داخلها. فالقاضي يحتاج إلى ضمانات تحميه من التدخل والضغط، كما يحتاج القضاء إلى آليات تعيين وترقية ومساءلة لا تجعل مستقبل القاضي مرتبطاً بإرادة السياسيين. وعندما تصبح الملفات القضائية الكبرى جزءاً من التجاذب السياسي، يصبح من الصعب إقناع المواطن بأن العدالة تعمل بعيداً عن موازين القوى.
ويبرز ملف انفجار مرفأ بيروت مثالاً بالغ الحساسية على هذه المعضلة. فقد تحول التحقيق إلى مواجهة سياسية وقضائية طويلة، وأصبح السؤال لا يتعلق فقط بمسؤولية الأشخاص، بل أيضاً بقدرة الدولة اللبنانية على الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤولين مهما كان موقعهم أو انتماؤهم.
وهنا تظهر قضية الحصانات والتوازنات السياسية. فإذا كان القانون يسمح بمحاسبة المسؤول، لكن الإجراءات السياسية أو الدستورية تجعل الوصول إليه شديد الصعوبة، فإن المواطن سيطرح سؤالاً مشروعاً: هل القانون فوق الجميع، أم أن قوة الموقع السياسي تحدد حدود المساءلة؟
كما أن الحديث عن حزب الله وحركة أمل لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي أو طائفي. النقد الحقيقي يجب أن يوجه إلى ممارسة السلطة والنفوذ وآليات حماية استقلال المؤسسات. فالمشكلة ليست في انتماء سياسي أو طائفي بحد ذاته، وإنما في احتمال استخدام النفوذ السياسي للتأثير في عمل مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة.
القضاء القوي لا يعني القضاء الذي يستهدف السياسيين، بل القضاء الذي يستطيع مساءلة السياسي وغير السياسي وفق القاعدة نفسها. فإذا أخطأ مسؤول من حزب الله أو حركة أمل، يجب أن يخضع للقانون كما يخضع أي مسؤول آخر؛ وإذا لم تثبت عليه مسؤولية، فيجب أن يحصل على حقه الكامل في الدفاع والمحاكمة العادلة.
وفي النهاية، لا يكفي أن ينص الدستور والقوانين على استقلال القضاء. الاستقلال الحقيقي يُقاس بقدرة القاضي على اتخاذ القرار الذي يراه صحيحاً، حتى عندما يكون القرار غير مريح لأقوى القوى السياسية.
ولهذا يبقى السؤال الأهم أمام الدولة اللبنانية: هل يمكن بناء قضاء قادر على محاسبة الجميع، بما في ذلك أصحاب النفوذ، أم ستظل العدالة اللبنانية رهينة للتوازنات السياسية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد مستقبل القضاء فقط، بل تحدد أيضاً مستقبل الدولة وثقة المواطن بها.
صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء



