معتقلو رومية بين انتظار العدالة وأمل الحرية
خلال سنوات وجودي في سجن رومية، التقيت بعشرات المعتقلين السياسيين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، وسمعت من كل واحد منهم قصة مختلفة، لكن القاسم المشترك بينهم كان واحدًا: سنوات طويلة من الانتظار، والحرمان، والبعد عن الأهل، والشعور بأن العدالة قد تأخرت كثيرًا.
كان من بين هؤلاء معتقلون اعتُقلوا بسبب مواقفهم المؤيدة للثورة السورية، أو بسبب مشاركتهم فيها، ومنهم من دخل السجن في ظروف سياسية وأمنية معقدة، ثم وجد نفسه يقضي سنوات خلف القضبان، بعيدًا عن زوجته وأطفاله ووالديه، من دون أن يعرف متى تنتهي محنته.
وفي سجن رومية، لا تتوقف المعاناة عند فقدان الحرية. فهناك معاناة المرض، والإهمال الطبي، وسوء الظروف الإنسانية، إضافة إلى آثار سنوات السجن على المعتقلين وعائلاتهم. ولا يمكن أن ننسى أولئك الذين فقدوا حياتهم تحت التعذيب في مراكز التوقيف، أو الذين توفوا داخل السجون نتيجة الإهمال الطبي وسوء الرعاية الصحية. هؤلاء أيضًا جزء من ذاكرة هذه القضية، ولا يجوز أن تُنسى معاناتهم.
وراء كل معتقل حكاية عائلة كاملة. أمّ تنتظر ابنها، وأب ينتظر عودة ابنه، وزوجة تحاول أن تشرح لأطفالها لماذا غاب والدهم كل هذه السنوات، وأطفال كبروا وهم لا يعرفون من آبائهم إلا صورًا قديمة وذكريات متقطعة.
اليوم، ينتظر آلاف السجناء وعائلاتهم تنفيذ قانون العفو الذي أقرّه البرلمان اللبناني، ويأملون أن يوقّعه رئيس الجمهورية جوزاف عون، بما يفتح أمامهم بابًا للخروج من سنوات طويلة من المعاناة، ويمنح العديد من المعتقلين فرصة للعودة إلى عائلاتهم وحياتهم الطبيعية.
وبعد سقوط نظام الأسد وفتح أبواب السجون في سوريا، كنت أتوقع أن نشهد خطوة مشابهة في لبنان، خصوصًا تجاه المعتقلين الذين ارتبطت قضاياهم بمواقفهم من الثورة السورية أو بمشاركتهم فيها.
وبعد خمسة أشهر من سقوط النظام، قال لي أحد رفاقي في سجن رومية، وهو معتقل منذ عام 2014 بسبب انخراطه في الثورة السورية:
«سقط نظام الأسد في سوريا، ولم يسقط في لبنان.»
كانت هذه الجملة، على قصرها، تختصر سنوات طويلة من الانتظار والألم. كان الرجل يتحدث عن مفارقة عاشها المعتقلون بألم شديد: تغيّرت الظروف السياسية التي أحاطت بالثورة السورية، وسقط النظام الذي قامت الثورة ضده، وفُتحت أبواب السجون في سوريا، لكن بعض من ارتبطت قصص اعتقالهم بتلك المرحلة ظلوا في السجون اللبنانية، ينتظرون مصيرهم.
وهنا لا بد من التأكيد أن قضية المعتقلين لا ينبغي أن تتحول إلى ورقة سياسية أو مادة إضافية للتجاذب بين القوى والأحزاب. فالخلافات السياسية يمكن أن تستمر، لكن معاناة العائلات لا تحتمل مزيدًا من الانتظار.
المطلوب اليوم هو مقاربة هذه القضية من زاويتها الإنسانية والقانونية أولًا. المطلوب الاستماع إلى عائلات المعتقلين، والنظر في أوضاع السجناء الذين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان، والتعامل مع ملفاتهم وفق القانون والعدالة، بعيدًا عن الانتقام السياسي أو الحسابات الحزبية.
كما أن إقرار العفو، متى كان مستوفيًا للشروط والضوابط القانونية والدستورية، يمكن أن يشكّل فرصة لفتح صفحة جديدة، ليس فقط للمعتقلين، بل للمجتمع اللبناني بأسره. فالعدالة لا تعني بالضرورة استمرار العقوبة إلى ما لا نهاية، كما أن المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على تجاهل جراح العائلات أو إطالة معاناة من أنهوا سنوات طويلة من العقوبة والانتظار.
إن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تراعي حقوق الضحايا، وتحفظ سيادة القانون، وتفرّق بين الملفات وفق المعايير القانونية، لكنها في الوقت نفسه يجب ألا تتجاهل البعد الإنساني لهذه القضية.
لقد أمضى كثير من المعتقلين سنوات من أعمارهم داخل السجون. بعضهم دخلها شابًا، ثم مرّت السنوات وكبر أطفاله وتغيّرت حياة أسرته من دونه. وبعضهم فقد والديه أو أحد أفراد أسرته وهو خلف القضبان، ولم يتمكن حتى من توديعه. هناك أعمار لا يمكن استعادتها، وذكريات لا يمكن تعويضها، وسنوات من حياة العائلات ذهبت في الانتظار.
لهذا، فإن الحديث عن العفو ليس مجرد حديث عن قانون أو إجراء إداري، بل هو حديث عن آلاف العائلات التي تريد أن ترى أبناءها خارج أسوار السجن، وعن أشخاص يريدون فرصة للبدء من جديد، بعد سنوات دفعت فيها عائلاتهم أيضًا ثمنًا باهظًا.
اليوم، لا يحتاج المعتقلون وعائلاتهم إلى مزيد من الوعود. يحتاجون إلى قرار واضح ومسؤول، وإلى دولة تتعامل مع ملفاتهم ضمن القانون والعدالة والإنسانية.
فخلف كل معتقل عائلة تنتظر، وخلف كل باب سجن إنسان ينتظر فرصة للعودة إلى الحياة.
وقد تكون لحظة توقيع قانون العفو، إذا استوفى شروطه القانونية والدستورية، بداية حقيقية لطيّ صفحة مؤلمة، وفتح صفحة جديدة عنوانها العدالة والمصالحة والإنصاف.
فالعدالة التي تتأخر كثيرًا قد تتحول إلى معاناة جديدة، أما العدالة التي تنظر إلى الإنسان وحقوقه وكرامته، فهي التي تستطيع أن تفتح الطريق أمام المصالحة وتمنح المجتمع فرصة حقيقية للبدء من جديد.
ضياء الدين جناح، ناشط سياسي واجتماعي سوري، ومعتقل سابق في سجن رومية في لبنان. عُرف بنشاطه في المجال العام، ولا سيما من خلال نشر توثيقات وشهادات من داخل سجن رومية وتسليط الضوء على أوضاع المعتقلين وظروف احتجازهم. كما ينشط في الدفاع عن المعتقلين والمعارضين الموجودين في السجون اللبنانية، ولا سيما من يواجهون قضايا أو ملاحقات على خلفية معارضتهم لحزب الله، ويسعى إلى إبراز قضاياهم والمطالبة بحقوقهم وظروف احتجاز عادلة.




اترك تعليقاً