بيار دوكين: مهندس «سيدر» أم «قاتل اقتصادي» في الحالة اللبنانية؟
نشر القاضي بيتر جرمانوس
هذا ما كتبه بيتر جرمانوس
كيف انشره عالموقع
بيار دوكين: مهندس «سيدر» أم «قاتل اقتصادي» في الحالة اللبنانية؟
من الخطأ التاريخي اختزال انهيار لبنان بشخص واحد، ومن غير الممكن إثبات أن الدبلوماسي الفرنسي بيار دوكين (Pierre Duquesne) تعمّد إسقاط الاقتصاد اللبناني. لكن ثمة سؤال أكثر جدية وإزعاجاً: هل ساهمت المقاربة الاقتصادية التي حملها دوكين، باسم فرنسا، في إطالة عمر نموذج كان معروفاً أنه مفلس، ومنحه شرعية وتمويلاً إضافيين بدلاً من تفكيكه قبل الانفجار؟
هنا تصبح عبارة «القاتل الاقتصادي» توصيفاً سياسياً قابلاً للنقاش، لا اتهاماً جنائياً.
في شباط 2018، أي قبل مؤتمر «سيدر»، لم تكن حقيقة الاقتصاد اللبناني مجهولة. صندوق النقد الدولي كان يقول بوضوح إن الدين العام تجاوز 150% من الناتج المحلي، وإن عجز الحساب الجاري يتجاوز 20%، وإن العجز المالي يسير نحو مستويات تتجاوز 10%، وإن الدين، وفق السياسات القائمة، غير قابل للاستدامة. والأهم أن الصندوق حذّر صراحة من أن برنامج الاستثمارات الرأسمالية الذي كان لبنان يستعد لتمويله يمكن أن يرفع الدين أكثر.
ومع ذلك، كانت باريس تعمل على شيء مختلف تماماً: ليس إعادة هيكلة الدين، ولا كشف ميزانية مصرف لبنان الحقيقية، ولا تفكيك العلاقة الخطرة بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف، بل إدخال أموال جديدة إلى المنظومة نفسها.
كان دوكين الرجل الذي كلّفه إيمانويل ماكرون بالإعداد لمؤتمر «سيدر». وفي 6 نيسان 2018 أعلنت باريس نجاح المؤتمر في حشد أكثر من 11 مليار دولار من الالتزامات العامة. فرنسا وحدها وعدت بـ400 مليون يورو من القروض الميسّرة و150 مليوناً من الهبات.
المشكلة لم تكن في بناء الطرق أو الكهرباء أو المياه. المشكلة أعمق: أنت تقرض اقتصاداً مثقلاً بالدين لكي ينمو بالخروج من أزمة سببها أصلاً الإفراط في الدين.
إنها المفارقة التي يجب أن تكتب في تاريخ الانهيار اللبناني.
كانت إشارات الخطر ظاهرة
لم يكن دوكين مجرد مراقب فرنسي بعيد. كان يتابع تنفيذ «سيدر» شخصياً ويدخل في تفاصيل الموازنات والإصلاحات والمشاريع. قبل المؤتمر طالب بإقرار موازنة 2018 وإصلاح قطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
هذه إصلاحات مفيدة في دولة طبيعية.
لكن لبنان لم يكن دولة تعاني فقط من ضعف إدارة الكهرباء. كان أمام أزمة ميزانية مصرف مركزي، وأزمة ميزانيات مصارف، وأزمة ميزان مدفوعات، وعملة مثبتة اصطناعياً، واقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على جذب دولارات جديدة لتسديد كلفة الدولارات القديمة.
الفرق هائل بين معالجة «اقتصاد ضعيف» ومعالجة نظام مالي يقترب من لحظة الانفجار.
والأكثر إثارة أن دوكين عاد إلى بيروت في أيلول 2019، قبل أسابيع فقط من انتفاضة 17 تشرين والانهيار العلني للنظام المالي. واجتمع بوزير المالية علي حسن خليل لمتابعة موازنة 2020 وتنفيذ «سيدر»، واعتبر الالتزام بتنفيذ موازنة 2019 «خبراً جيداً»، فيما كان يدفع باتجاه خفض العجز وتسريع القرارات.
في الوقت نفسه تقريباً، كانت مؤشرات النظام المالي تنهار من الداخل. صندوق النقد كان قد لاحظ أن تدفقات الودائع تكاد تكون قد توقفت وأن احتياطات مصرف لبنان تراجعت بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع 2018 رغم العمليات المالية المستمرة.
وهنا تحديداً تقع المسألة التي تستحق التحقيق التاريخي:
كيف كان ممثل دولة بحجم فرنسا يتحدث عن الموازنات والمشاريع والضرائب فيما كانت الآلة التي تموّل الدولة كلها تختنق؟
من إنقاذ الاقتصاد إلى إنقاذ النظام
ثم وقع الانفجار.
وبعد الانهيار، انتقلت فرنسا من هندسة «سيدر» إلى هندسة مرحلة ما بعد الانهيار. لكنها عادت إلى التفاوض، إلى حد بعيد، مع الطبقة السياسية نفسها التي حكمت النموذج المنهار.
ماكرون وضع في 2020 خارطة طريق إصلاحية وهدد بعقوبات، لكنه قال في أيلول إن العقوبات المحتملة لم تكن آنذاك على جدول تشرين الأول لأن باريس كانت لا تزال تراهن على «الثقة والالتزام المتبادل» مع الطبقة الحاكمة. وفي مبادرته السياسية اضطر حتى إلى التواصل مباشرة مع نبيه بري لحل عقدة تشكيل الحكومة.
هنا يمكن الحديث عن حماية وظيفية للأوليغارشية، لا بالضرورة عن مؤامرة مكتوبة في وزارة الخارجية الفرنسية.
فبدلاً من اعتبار انهيار 2019 نهاية نظام سياسي-مالي، تعاملت الدبلوماسية الفرنسية معه مراراً كأزمة يجب إصلاحها من خلال النظام نفسه.
وهذا فرق جوهري.
فالطبقة التي أنتجت الأزمة بقيت، في معظمها، الشريك الذي يخاطبه الخارج لإصلاح الأزمة.
بل إن دوكين نفسه قال لاحقاً أمام الجمعية الوطنية الفرنسية إن لبنان عاش طويلاً حالة «إدمان على الدين»، وإن النظام المصرفي أصبح بحاجة إلى إعادة بناء كاملة تحت إشراف صندوق النقد.
صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء



