جاري التحميل الآن

ماذا لو دخل الشرع لبنان؟ السيناريو السوري وحدود التدخل العسكري

يبدو احتمال دخول القوات السورية إلى لبنان، في ظل الحرب والصراع حول سلاح حزب الله، واحدًا من أكثر السيناريوهات حساسية في المشرق. لكن السؤال الأهم ليس فقط: هل تستطيع دمشق الدخول؟ بل: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ وهل يمكن أن تحقق سوريا أهدافها من دون أن تتحول العملية إلى حرب جديدة؟

حتى أغسطس/آب 2026، الموقف المعلن للرئيس السوري أحمد الشرع لا يشير إلى نية تنفيذ تدخل عسكري مستقل في لبنان. فقد نفى مرارًا وجود خطة لدخول لبنان عسكريًا، وقال إن الدور السوري المطروح هو سياسي وأمني، وإن أي تدخل عسكري سيكون مرتبطًا بطلب رسمي من الحكومة اللبنانية. (الجزيرة نت)

من فرضية التدخل إلى معضلة الاحتلال

لو قررت دمشق، رغم ذلك، إرسال قواتها إلى لبنان، فلن تكون المسألة عملية عسكرية بسيطة. دخول الحدود قد يكون سهلًا نسبيًا مقارنةً بما سيأتي بعده.

فالسؤال الأساسي سيكون: ما الهدف؟

إذا كان الهدف حماية الحدود السورية، يمكن لدمشق أن تبرر انتشارًا عسكريًا محدودًا قرب الحدود. وإذا كان الهدف دعم الدولة اللبنانية في مواجهة السلاح غير الشرعي، فالأمر يصبح أكثر تعقيدًا. أما إذا كان الهدف الدخول إلى مناطق نفوذ حزب الله ونزع سلاحه بالقوة، فإن سوريا ستكون عمليًا أمام حرب داخل الأراضي اللبنانية.

وهنا تكمن المفارقة: الشرع يستطيع أن يعلن أن هدفه دعم الدولة اللبنانية، لكن أي عملية واسعة من دون غطاء لبناني واضح قد تُفسَّر على أنها عودة سورية إلى سياسة الوصاية التي انتهت بخروج الجيش السوري من لبنان عام 2005.

حزب الله: الخصم الذي لا يمكن تجاهله

إذا دخلت القوات السورية لمواجهة حزب الله، فلن يكون الصراع مجرد مواجهة بين جيشين تقليديين.

حزب الله يمتلك خبرة طويلة في القتال داخل بيئة لبنانية معقدة، ويعرف جغرافيا مناطقه وشبكاته الاجتماعية والسياسية. ولذلك فإن التفوق العددي أو امتلاك سوريا جيشًا نظاميًا لن يعني بالضرورة حسم المعركة بسرعة.

الأخطر على دمشق هو أن يتحول التدخل إلى حرب استنزاف.

قد تنجح القوات السورية في السيطرة على نقاط أو طرق رئيسية، لكنها ستحتاج بعد ذلك إلى تأمينها، وحماية خطوط الإمداد، ومنع الهجمات المتفرقة، والتعامل مع بيئة سياسية لبنانية منقسمة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لن يكون: هل تستطيع سوريا دخول لبنان؟ بل: هل تستطيع الخروج منه بعد تحقيق هدفها؟

الجيش اللبناني هو العامل الفاصل

السيناريو الأكثر اختلافًا سيكون إذا جاء التدخل السوري بناءً على طلب رسمي من الحكومة اللبنانية وبالتنسيق مع الجيش اللبناني.

في هذه الحالة، ستتغير المعادلة السياسية بالكامل. يمكن تقديم القوات السورية باعتبارها قوة مساندة للدولة اللبنانية، لا قوة احتلال.

لكن حتى في هذا السيناريو ستبقى المشكلة: هل يوافق جميع اللبنانيين على التدخل؟

لبنان ليس دولة ذات موقف سياسي واحد تجاه سوريا أو حزب الله. ولذلك فإن أي عملية عسكرية سورية قد تجد تأييدًا لدى أطراف لبنانية، ورفضًا شديدًا لدى أطراف أخرى.

وقد يؤدي ذلك إلى انقسام سياسي واجتماعي حاد، حتى لو كان التدخل يحمل غطاءً رسميًا.

إسرائيل والولايات المتحدة: اللاعبان اللذان لا يمكن تجاهلهما

أي دخول سوري إلى لبنان سيغيّر حسابات إسرائيل والولايات المتحدة فورًا.

فإذا كان التحرك السوري يستهدف إضعاف حزب الله، فقد ترى فيه بعض الأطراف الغربية فرصة لإعادة ترتيب ميزان القوى اللبناني. لكن ذلك لا يعني بالضرورة منح دمشق حرية الحركة.

واشنطن سبق أن طرحت فكرة قيام سوريا بدور في معالجة ملف حزب الله، إلا أن الشرع رفض تفسير ذلك على أنه دعوة إلى تدخل عسكري مباشر، وأكد أن دمشق تبحث عن حل سياسي واستقرار إقليمي. (الجزيرة نت)

أما إسرائيل، فمن المرجح أن تتعامل مع أي وجود سوري جديد في لبنان وفقًا لموقع القوات السورية وأهدافها وتسليحها وعلاقتها بإيران وحزب الله. لذلك فإن دخول سوريا قد يفتح بابًا جديدًا للتنسيق مع بعض الأطراف، لكنه قد يفتح أيضًا جبهة إضافية إذا اعتبرت إسرائيل أن الانتشار السوري يشكل تهديدًا.

الخطر الأكبر على الشرع: سوريا نفسها

قد يبدو الدخول إلى لبنان فرصة لدمشق لاستعادة نفوذ إقليمي فقدته لسنوات، لكن الثمن المحتمل مرتفع جدًا.

سوريا ما زالت بحاجة إلى تثبيت مؤسساتها وإعادة بناء اقتصادها وتعزيز السيطرة على أراضيها. الدخول في حرب خارج الحدود قد يستنزف الجيش والموارد ويعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار التي تحاول دمشق الخروج منها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم إصرار الشرع على رفض التدخل العسكري. فالتوجه المعلن منذ يونيو ويوليو 2026 يقوم على استخدام الدبلوماسية بدل القوات السورية، مع إبقاء الباب مفتوحًا لدور سياسي في حل الأزمة اللبنانية. (الجزيرة نت)

ثلاثة سيناريوهات محتملة

السيناريو الأول: تدخل محدود.
انتشار سوري على الحدود أو في نقاط محددة بطلب لبناني، مع تجنب مواجهة مباشرة مع حزب الله. هذا هو السيناريو الأقل كلفة والأكثر قابلية للاحتواء.

السيناريو الثاني: تدخل ضد حزب الله.
تدخل سوري واسع بهدف مساعدة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها ونزع السلاح. هذا السيناريو قد يحقق مكاسب سريعة في البداية، لكنه يحمل خطر حرب استنزاف وتدخلات إسرائيلية وإقليمية.

السيناريو الثالث: حرب سورية–لبنانية مفتوحة.
وهو السيناريو الأسوأ. إذا انهار الغطاء السياسي اللبناني وتحولت العملية إلى مواجهة واسعة، فقد يصبح لبنان ساحة حرب جديدة، بينما تتعرض سوريا لضغط اقتصادي وعسكري كبير.

الخلاصة

دخول الشرع إلى لبنان لن يكون انتصارًا تلقائيًا لسوريا، حتى لو تمكن الجيش السوري من عبور الحدود والسيطرة على مناطق معينة. النجاح الحقيقي سيُقاس بما إذا كانت دمشق تستطيع تحقيق أهدافها ثم الانسحاب، أو تسليم المسؤولية للجيش اللبناني، من دون أن تجد نفسها عالقة في حرب طويلة.

ولهذا تبدو الدبلوماسية بالنسبة إلى الشرع أكثر من مجرد خيار سياسي؛ إنها محاولة لتجنب الفخ الذي وقع فيه كثير من اللاعبين الإقليميين: الدخول إلى لبنان أسهل بكثير من معرفة كيف ومتى تخرج منه.

واللافت أن الموقف المعلن حتى الآن يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا لسيناريو الغزو؛ فالشرع قال إنه لا يريد خطوطًا عسكرية بين سوريا ولبنان، بل خطوطًا اقتصادية، وأكد أن سوريا مستعدة للجلوس مع الأطراف اللبنانية، بما فيها حزب الله، بحثًا عن حل. (الجزيرة نت)

IMG_1544 ماذا لو دخل الشرع لبنان؟ السيناريو السوري وحدود التدخل العسكري
adnan@gmail.com   More Posts

ناشط سياسي و حقوقي مهتم بالشؤون السياسية

قد تكون فاتتك