القوات اللبنانية تحت المجهر: وثائق وشهادات في سجل الحرب والدم
ملف استقصائي موثق
القوات اللبنانية والكتائب: القتل والمجازر والاختفاءات والتفجيرات خلال الحرب اللبنانية (1975–1990)
تقرير قائم على الوثائق والشهادات والتحقيقات الرسمية
أولًا: الخلاصة التنفيذية
تُظهر الأدلة المتاحة أن الحرب اللبنانية شهدت ارتكاب جرائم وانتهاكات واسعة من جانب عدد كبير من الأطراف المسلحة، ومن بينها الكتائب والقوات اللبنانية، إضافة إلى فصائل فلسطينية ولبنانية أخرى، والجيش السوري والإسرائيلي، وجماعات مسلحة مختلفة.
لكن قوة الأدلة ليست متساوية في جميع الملفات.
هناك حالات توجد فيها أدلة رسمية قوية جدًا، وعلى رأسها مجزرة صبرا وشاتيلا، حيث خلصت لجنة تحقيق إسرائيلية رسمية إلى أن وحدة من القوات اللبنانية ارتكبت الفظائع داخل المخيمين. وفي الوقت نفسه بحثت اللجنة مسؤولية القيادة الإسرائيلية عن عدم منع المجزرة، رغم سيطرة الجيش الإسرائيلي على المنطقة المحيطة. (PalQuest)
وفي حالات أخرى، مثل إهدن، توجد دراسة أكاديمية محكمة تربط الهجوم بقوات بشير الجميل وتضعه في سياق مشروع توحيد القوة المارونية تحت قيادته. (Bar-Ilan University)
أما ملفات مثل السبت الأسود، الكرنتينا، وتل الزعتر، فهناك أدلة تاريخية قوية على وقوع العمليات وعلى مشاركة القوات المسيحية والكتائب فيها، لكن تحديد عدد الضحايا والمسؤولية الفردية لكل عملية قتل أكثر تعقيدًا.
أما تفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994، فالوضع مختلف: اتهمت السلطات اللبنانية عناصر من القوات اللبنانية، وحوكم بعضهم، لكن هيومن رايتس ووتش قالت إن مسؤولية القوات عن التفجير لم تُحسم قضائيًا، كما وثقت مشكلات خطيرة في الاعتقالات والمحاكمات. (Refworld)
والنتيجة الأساسية للتحقيق هي:
لا توجد قاعدة أدلة تسمح بنسب جميع جرائم الحرب اللبنانية إلى القوات اللبنانية، لكن توجد ملفات محددة يوجد فيها دليل قوي أو قوي جدًا على مسؤولية القوات أو التشكيلات التي سبقتها.
الفصل الأول
كيف نحدد المسؤولية؟
في التحقيقات المتعلقة بالحروب الأهلية، هناك أربع مسؤوليات مختلفة ينبغي عدم خلطها:
1. المسؤولية عن التنفيذ
أي: من كان موجودًا في مكان الجريمة ومن نفذ القتل فعليًا؟
2. مسؤولية إصدار الأمر
هل توجد وثيقة أو شهادة مباشرة تثبت أن قائدًا معينًا أصدر الأمر؟
3. مسؤولية القيادة
هل كان القائد يعلم بما يجري وكان يملك القدرة على إيقافه؟
4. المسؤولية السياسية
هل استفاد التنظيم أو القائد من العملية أو كان جزءًا من مشروع أوسع للسيطرة؟
هذه المستويات ليست متطابقة.
فوجود مقاتلين من تنظيم معين في موقع مجزرة لا يثبت تلقائيًا أن رئيس التنظيم أعطى أمرًا مكتوبًا بقتل المدنيين.
ولهذا فإن هذا التقرير لا يستخدم عبارة «أعطى الأمر» إلا عندما تسمح الأدلة بذلك.
الفصل الثاني
السبت الأسود – 6 كانون الأول/ديسمبر 1975
ماذا حدث؟
في 6 كانون الأول/ديسمبر 1975، وبعد مقتل أربعة من عناصر الكتائب في منطقة الفنار، أقيمت نقاط تفتيش في بيروت ومناطق أخرى.
تصف مصادر أكاديمية وأرشيفية كيفية استخدام الهوية الطائفية عند الحواجز، حيث كان يتم توقيف أشخاص وسؤالهم عن هويتهم الدينية، ثم قتل عدد من المسلمين واختطاف آخرين.
تقديرات الضحايا تختلف بشدة. بعض الدراسات تضع العدد في حدود 150–200، بينما تورد روايات أخرى أعدادًا أعلى. ولذلك لا ينبغي التعامل مع رقم واحد باعتباره نهائيًا. (Cambridge University Press)
الدليل
هناك مصادر معاصرة وأبحاث لاحقة تتحدث عن نقاط التفتيش وعمليات القتل على الهوية.
كما تكشف برقية دبلوماسية أميركية معاصرة للحدث أن مسلحين من الكتائب أطلقوا النار على حافلة فلسطينية في اليوم نفسه، ما أدى، وفق البرقية، إلى مقتل 26 شخصًا على الأقل، وأن عمليات إطلاق النار والانفجارات انتشرت في بيروت. (Institute for Lebanon)
ماذا يثبت؟
يثبت بدرجة مرتفعة أن عناصر كتائبية شاركوا في العنف والقتل خلال ذلك اليوم.
ماذا لا يثبت؟
لا يثبت وحده وجود أمر مركزي مكتوب من قيادة الكتائب يقضي بقتل جميع المسلمين.
درجة الثقة
مرتفعة بالنسبة لوقوع القتل ومشاركة عناصر كتائبية؛ متوسطة بالنسبة للعدد النهائي والمسؤولية القيادية المباشرة.
الفصل الثالث
الكرنتينا – 18 كانون الثاني/يناير 1976
كانت الكرنتينا منطقة ذات تركيبة سكانية مختلطة، وكان فيها حضور فلسطيني ومسلح.
في 18 كانون الثاني/يناير 1976 هاجمت القوات المسيحية المسلحة المنطقة وسيطرت عليها.
المصادر التاريخية تنسب الدور الرئيسي إلى قوى الجبهة اللبنانية، ومن بينها الكتائب.
ماذا نعرف؟
المؤكد بدرجة عالية أن:
- المنطقة حوصرت.
- وقع هجوم عسكري واسع.
- سيطرت القوات المسيحية عليها.
- قتل عدد كبير من السكان والمقاتلين.
- تعرضت المنطقة للتدمير والتهجير.
لكن العدد النهائي للقتلى مختلف عليه بشدة.
لماذا؟
لأن سجلات الحرب لم تكن نظامًا جنائيًا حديثًا، ولأن كثيرًا من الجثث لم يوثق رسميًا، كما أن بعض التقديرات خلطت بين المدنيين والمقاتلين.
نقطة مهمة
لا ينبغي كتابة:
«الكتائب قتلت 1500 شخص»
وكأن الرقم ثابت.
الأدق:
«وقعت عملية عسكرية نفذتها قوات الجبهة اللبنانية، وكانت الكتائب أحد مكوناتها الرئيسية، وأسفرت عن مقتل أعداد كبيرة من السكان والمقاتلين، بينما تختلف التقديرات حول الرقم النهائي.»
الفصل الرابع
تل الزعتر – 1976
تل الزعتر هو أحد أهم ملفات الحرب.
كان المخيم يضم عشرات الآلاف من الفلسطينيين، إضافة إلى لبنانيين.
بدأ الحصار في مطلع عام 1976، واستمر حتى سقوط المخيم في 12 آب/أغسطس.
كانت الكتائب وقوى أخرى في الجبهة اللبنانية من القوات الرئيسية المشاركة في الحصار والهجوم.
وتشير المصادر إلى أن الحصار أدى إلى نقص حاد في الغذاء والماء والدواء، ثم وقع الهجوم النهائي وسقط المخيم.
وتختلف التقديرات بصورة كبيرة بشأن عدد القتلى؛ إذ تورد بعض المصادر تقديرات بنحو 1,500 قتيل في يوم السقوط، بينما تقدر أخرى إجمالي القتلى خلال الحصار والمجزرة بأرقام تتراوح بين 2,000 و3,000. (Wikipedia)
الدليل
الأدلة هنا تتكون من:
- وثائق الصليب الأحمر.
- شهادات الناجين.
- تقارير صحفية معاصرة.
- دراسات تاريخية لاحقة.
- أرشيفات عسكرية.
ماذا تثبت؟
تثبت بدرجة عالية:
وجود الحصار والهجوم وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
كما تثبت مشاركة قوات الجبهة اللبنانية، ومن بينها الكتائب.
ماذا لا تثبت؟
لا تسمح بتحديد أن كل قتيل قتل بواسطة عنصر كتائبي تحديدًا.
كما لا تسمح بإثبات رقم نهائي واحد للضحايا.
درجة الثقة
عالية جدًا للوقائع الأساسية، ومتوسطة للأرقام التفصيلية.
الفصل الخامس
إهدن – 13 حزيران/يونيو 1978
هذا الملف مهم لأنه يوضح أن الصراع لم يكن فقط بين المسيحيين والمسلمين أو بين المسيحيين والفلسطينيين.
كان هناك صراع على السلطة داخل البيئة المارونية نفسها.
في 13 حزيران/يونيو 1978 هاجمت قوة مرتبطة ببشير الجميل مقر طوني فرنجية في إهدن.
قُتل:
- طوني فرنجية.
- زوجته فيرا.
- ابنتهما جيهان.
- عدد من أنصاره.
الدراسة الأكاديمية التي نشرها دان ناور في Journal of the Middle East and Africa عام 2016 تصف العملية بأنها اغتيال نفذته قوات مرتبطة ببشير الجميل، وتضعها في سياق مشروعه لتوحيد المجتمع الماروني تحت قيادته والسيطرة على القوة العسكرية. (Bar-Ilan University)
ما الدليل؟
الدليل ليس مجرد رواية عائلة فرنجية.
لدينا دراسة أكاديمية محكمة قامت بتحليل الحدث وتطوره السياسي والذاكرة التي تشكلت حوله.
ما الذي تثبته؟
أن:
- الهجوم وقع.
- القوة المهاجمة مرتبطة ببشير الجميل.
- طوني فرنجية وعائلته قتلوا.
- العملية كانت جزءًا من الصراع على توحيد القوة المارونية.
ما الذي لا تثبته؟
لا توجد في المصدر الذي نملكه وثيقة أصلية تثبت نص أمر مكتوب من بشير الجميل يقول فيه إن المطلوب قتل عائلة فرنجية.
ولذلك لا يجوز تحويل المسؤولية التنظيمية إلى إثبات جنائي شخصي من دون دليل إضافي.
درجة الثقة
مرتفعة جدًا بالنسبة للحدث والجهة المهاجمة؛ أقل بالنسبة للتفاصيل المتعلقة بكل أمر فردي.
الفصل السادس
الصفرا – 7 تموز/يوليو 1980
كانت هذه العملية جزءًا من محاولة بشير الجميل القضاء على المنافسين المسلحين داخل الساحة المسيحية.
القوة المستهدفة كانت ميليشيا «نمور الأحرار» التابعة لحزب الوطنيين الأحرار.
تشير الروايات التاريخية إلى مقتل نحو 83 شخصًا.
لكن لدينا هنا أيضًا مصدر صحفي معاصر مهم جدًا: تقرير Washington Post المنشور في آب 1980، الذي وصف آثار العملية وذكر أن مدنيين قُتلوا أيضًا، وأن الهجوم استُخدم للقضاء على ميليشيا داني شمعون. (The Washington Post)
والأكثر أهمية أن التقرير نقل عن بشير الجميل نفسه تبريرًا سياسيًا للهجوم، إذ وصفه باعتباره وسيلة لفرض النظام وتوحيد المجتمع.
ما الذي يثبته المصدر؟
- وقوع هجوم منظم.
- استهداف ميليشيا النمور.
- وقوع قتلى بين المقاتلين ومدنيين.
- ارتباط العملية بمشروع توحيد السلاح المسيحي تحت قيادة بشير.
ما الذي لا يثبته؟
لا يكفي التقرير وحده لإثبات أن بشير أعطى كل أمر تفصيلي بالقتل.
درجة الثقة
عالية.
الفصل السابع
صبرا وشاتيلا – 16–18 أيلول/سبتمبر 1982
هذا هو أقوى ملف في التحقيق كله
بعد اغتيال بشير الجميل في 14 أيلول/سبتمبر 1982، دخل الجيش الإسرائيلي بيروت الغربية.
كانت مخيمات صبرا وشاتيلا في منطقة تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
في هذه الظروف دخلت القوات الكتائبية المخيمين.
الدليل رقم 1: لجنة كاهان
في 28 أيلول/سبتمبر 1982 قررت الحكومة الإسرائيلية إنشاء لجنة تحقيق رسمية.
ترأس اللجنة إسحاق كاهان، رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية.
عقدت اللجنة 60 جلسة واستمعت إلى 58 شاهدًا. (PalQuest)
وهذا مهم جدًا لأن التقرير ليس مجرد مقال صحفي.
الدليل رقم 2: هوية القوة التي دخلت
ينص تكليف اللجنة نفسه على التحقيق في «الفظائع» التي ارتكبتها وحدة من القوات اللبنانية ضد المدنيين في مخيمي شاتيلا وصبرا. (PalQuest)
واللجنة بحثت تفاصيل دخول القوات الكتائبية وعلاقتها بالقيادة الإسرائيلية.
النتيجة
الدليل على وجود قوات كتائبية داخل المخيم وتنفيذها عمليات القتل قوي جدًا.
الدليل رقم 3: معلومات وصلت أثناء استمرار المجزرة
تقرير كاهان يوثق وصول معلومات إلى القيادة الإسرائيلية تفيد بوقوع عمليات قتل داخل المخيم.
وهذه النقطة مهمة لأن المعلومات لم تظهر بعد سنوات فقط؛ بل ظهرت أثناء العملية نفسها.
لكن اللجنة تعاملت بحذر مع بعض التقارير، وميزت بين المعلومات المؤكدة والمعلومات التي لم تستطع التحقق من مصدرها بصورة كاملة. (PalQuest)
الاستنتاج
الدليل يثبت أن:
القيادة الإسرائيلية كانت تتلقى إنذارات ومعلومات عن احتمال وقوع مجزرة أثناء استمرار العملية.
لكنه لا يثبت أن كل تقرير وصل كان صحيحًا بكل تفاصيله.
الفصل الثامن
عدد الضحايا في صبرا وشاتيلا
هذه نقطة كثيرًا ما تشوهها الدعاية السياسية من جميع الأطراف.
تقرير لجنة كاهان ذكر أن الصليب الأحمر أحصى 328 جثة في إطار عملية العد التي تناولها التقرير، وأن تقديرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وضعت عدد ضحايا المجزرة في حدود 700–800، مع التأكيد على استحالة تحديد العدد بدقة. (PalQuest)
لذلك لا يصح تقديم رقم واحد على أنه حقيقة نهائية ما لم يحدد المصدر والمنهج.
النتيجة
وقوع مجزرة وقتل جماعي: مثبت بدرجة عالية جدًا.
العدد الدقيق للضحايا: غير محسوم.
الفصل التاسع
المسؤولية الإسرائيلية عن صبرا وشاتيلا
هذا الجانب لا ينبغي إسقاطه من التحقيق.
القوات الإسرائيلية لم تكن هي القوة التي دخلت المخيم ونفذت عمليات القتل بحسب لجنة كاهان.
لكنها كانت القوة المسيطرة عسكريًا على المنطقة.
وقد خلصت لجنة كاهان إلى تحميل عدد من المسؤولين الإسرائيليين مسؤولية بسبب عدم منع المجزرة.
وهذا يقود إلى التمييز بين:
المسؤولية عن التنفيذ
و
المسؤولية عن عدم المنع رغم القدرة أو الواجب.
وبالتالي فإن القول:
«إسرائيل قتلت المدنيين في صبرا وشاتيلا مباشرة»
ليس مطابقًا لاستنتاج لجنة كاهان.
والقول:
«إسرائيل لا علاقة لها بالمجزرة»
أيضًا مخالف لاستنتاج اللجنة بشأن المسؤولية القيادية الإسرائيلية. (PalQuest)
الفصل العاشر
إلياس حبيقة: لماذا يهم اسمه؟
كان إلياس حبيقة أحد أبرز قادة القوات اللبنانية خلال تلك المرحلة، وارتبط اسمه بقيادة القوات الكتائبية في صبرا وشاتيلا.
لكن ينبغي توخي الحذر عند الانتقال من:
«كان قائدًا»
إلى:
«أصدر شخصيًا أمرًا بقتل المدنيين».
الأولى يمكن إثباتها من موقعه التنظيمي.
أما الثانية فتحتاج إلى دليل مباشر على الأمر نفسه.
وهذا التفريق أساسي في التحقيق الجنائي.
الفصل الحادي عشر
ماذا عن التفجيرات؟
يجب فصل ملف التفجيرات عن ملف المجازر.
خلال الحرب اللبنانية حدثت تفجيرات كثيرة، ونُسب بعضها إلى أطراف مختلفة.
لا توجد قاعدة تسمح بالقول:
«كل تفجير في لبنان كان من تنفيذ القوات اللبنانية.»
كل حادثة يجب أن تحقق منفردة.
الفصل الثاني عشر
تفجير كنيسة سيدة النجاة – 27 شباط/فبراير 1994
وقع انفجار داخل كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل أثناء قداس الأحد.
قُتل 11 شخصًا وأصيب أكثر من 40 بحسب تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر في 1995. (Refworld)
بعد التفجير تحركت السلطات اللبنانية ضد القوات اللبنانية، واتهمت عناصر مرتبطة بها بالتفجير.
لكن هنا تظهر مشكلة استقصائية جوهرية.
تقول هيومن رايتس ووتش إن دليل مسؤولية القوات اللبنانية عن التفجير لم يكن قد حُسم أمام القضاء، رغم أن السلطات اتخذت إجراءات واسعة ضد التنظيم وأعضائه. (Refworld)
دليل إضافي
تُظهر وثائق لجنة الهجرة واللجوء الكندية أن قاضي التحقيق اللبناني حدد تسعة مشتبه بهم، كان سبعة منهم أعضاء في القوات اللبنانية، وأصدرت السلطات مذكرات توقيف بحق عدد منهم. (ecoi.net)
ماذا يثبت ذلك؟
يثبت أن:
- التفجير وقع.
- السلطات اللبنانية اتهمت عناصر من القوات اللبنانية.
- كان هناك تحقيق قضائي ومشتبه بهم محددون.
ماذا لا يثبته؟
لا يكفي لإثبات أن القيادة السياسية للقوات اللبنانية أمرت بالتفجير.
بل إن هيومن رايتس ووتش قالت صراحة إن مسؤولية القوات عن التفجير لم تكن قد حُسمت قضائيًا. (Refworld)
الفصل الثالث عشر
رواية القوات اللبنانية المضادة
القوات اللبنانية نفسها تقدم رواية مختلفة جذريًا.
في مواد منشورة على موقعها الرسمي، تقول إن التفجير كان من تدبير «النظام الأمني اللبناني–السوري» بهدف تلفيق قضية ضد القوات واعتقال سمير جعجع. (Lebanese Forces Official Website)
لكن هذه الرواية، مثل رواية الحكومة اللبنانية آنذاك، تحتاج إلى أدلة مستقلة.
التقييم الاستقصائي
اتهام الحكومة للقوات: موثق.
وجود مشتبه بهم من القوات: موثق.
إثبات قضائي نهائي بأن قيادة القوات أمرت بالتفجير: غير مثبت من المصادر الحقوقية التي راجعتها.
رواية القوات بأن النظام السوري–اللبناني نفذ التفجير عمدًا لتوريطها: ادعاء سياسي مهم، لكنه يحتاج إلى دليل مستقل حاسم.
الفصل الرابع عشر
الاختفاءات القسرية
ربما يكون ملف المفقودين أكبر من ملف المجازر نفسها.
وفق الرقم الرسمي الذي تستشهد به منظمة العفو الدولية، سُجلت 17,415 حالة اختفاء مرتبطة بالحرب اللبنانية 1975–1990. (Amnesty International)
لكن الرقم لا يعني:
«17,415 شخصًا اختطفتهم القوات اللبنانية.»
بل يعني أن الدولة سجلت هذا العدد من حالات الاختفاء خلال النزاع.
وتؤكد منظمة العفو أن الاختفاءات ارتكبتها أطراف متعددة.
الفصل الخامس عشر
لماذا لا نعرف مصير معظم المفقودين؟
بعد انتهاء الحرب لم تجرِ عملية وطنية شاملة لكشف مصير جميع المفقودين.
وقد انتقدت منظمة العفو الدولية قانون العفو لعام 1991، وطالبت الدولة بالتحقيق في مصير أكثر من 17 ألف شخص اختفوا خلال الحرب. (Amnesty International)
وفي 2018 أقر لبنان القانون رقم 105 الذي أنشأ اللجنة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرًا.
لكن منظمة العفو الدولية أشارت لاحقًا إلى أن اللجنة لم تحصل على الموارد والظروف المطلوبة للقيام بعملها بصورة كاملة، وأن الدولة لم توفر لها حتى البنية التشغيلية المناسبة. (Amnesty International)
الفصل السادس عشر
العفو والإفلات من العقاب
هذه واحدة من أكبر مشكلات التحقيق في تاريخ لبنان الحديث.
في 1991 صدر قانون عفو واسع عن جرائم الحرب.
وتقول هيومن رايتس ووتش إن القانون شمل معظم الجرائم التي ارتكبت قبل 28 آذار/مارس 1991، مع استثناءات محددة، وإن عددًا من الشخصيات السياسية التي كانت قيادات لميليشيات متهمة بجرائم لم تخضع لتحقيق شامل. (Human Rights Watch)
كما تشير المنظمة إلى أن ما يقارب 200 ألف شخص قتلوا خلال الحرب، وأن نحو 14 ألف شخص اختفوا وفق تقديراتها في ذلك الوقت، من دون تحقيق شامل في معظم هذه الملفات. (Human Rights Watch)
وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الأدلة التي يحتاجها المؤرخ أو المحقق اليوم لم يخضع أصلًا لاختبار قضائي كامل.
الفصل السابع عشر
جدول الأدلة النهائي
| الملف | أقوى دليل | الجهة التي تشير إليها الأدلة | ما يمكن إثباته | ما لا يمكن إثباته بسهولة | الثقة |
| السبت الأسود 1975 | شهادات + مصادر معاصرة | الكتائب | مشاركة عناصر كتائبية في نقاط التفتيش والقتل | أمر مركزي شامل + الرقم النهائي | مرتفعة |
| الكرنتينا 1976 | أرشيفات ودراسات تاريخية | الجبهة اللبنانية/قوى مسيحية بينها الكتائب | الهجوم والسيطرة والقتل الجماعي | مسؤولية كل وحدة عن كل قتيل | مرتفعة |
| تل الزعتر 1976 | شهادات + أرشيف الصليب الأحمر + دراسات | الجبهة اللبنانية، والكتائب ضمنها | الحصار والهجوم والقتل الجماعي | الرقم النهائي وهوية قاتل كل ضحية | مرتفعة |
| إهدن 1978 | دراسة أكاديمية محكمة + مصادر تاريخية | قوات مرتبطة ببشير الجميل | قتل طوني فرنجية وعائلته وأنصاره في هجوم منظم | نص أمر قتل صادر من بشير | مرتفعة جدًا |
| الصفرا 1980 | تقارير معاصرة وشهادات | قوات بشير/الكتائب | القضاء على ميليشيا النمور وسقوط قتلى مدنيين ومقاتلين | تفاصيل كل عملية قتل | مرتفعة |
| صبرا وشاتيلا 1982 | لجنة كاهان الرسمية | القوات الكتائبية | التنفيذ المباشر للمجزرة | مسؤولية كل قيادة القوات اللبنانية شخصيًا | عالية جدًا |
| صبرا وشاتيلا – إسرائيل | لجنة كاهان | القيادة الإسرائيلية | مسؤولية قيادية عن عدم المنع | تنفيذ القتل المباشر | عالية جدًا |
| الاختفاءات 1975–1990 | سجلات الدولة + Amnesty | أطراف متعددة | 17,415 حالة اختفاء رسمية | نسبة جميع الحالات للقوات اللبنانية | عالية |
| سيدة النجاة 1994 | التحقيقات والمحاكمات + HRW | عناصر متهمة من القوات | وجود اتهامات ومشتبه بهم | حسم مسؤولية قيادة القوات عن التفجير | غير حاسمة |
الفصل الثامن عشر
ما الذي يمكن اعتباره مثبتًا بدرجات مختلفة؟
مثبت بدرجة عالية جدًا
1. مشاركة القوات الكتائبية في صبرا وشاتيلا وتنفيذها عمليات قتل المدنيين.
الدليل هنا استثنائي بسبب وجود لجنة تحقيق رسمية تفصيلية. (PalQuest)
2. الهجوم على إهدن وارتباطه بقوات بشير الجميل.
الدراسة الأكاديمية المحكمة تؤكد ذلك وتربطه بمشروع السيطرة داخل البيئة المارونية. (Bar-Ilan University)
مثبت بدرجة عالية
3. مشاركة القوات المسيحية والكتائب في حصار وهجوم تل الزعتر.
لكن الأرقام النهائية للضحايا ليست محسومة.
4. مشاركة الكتائب في أحداث السبت الأسود.
لكن تحديد المسؤولية القيادية والعدد النهائي أكثر تعقيدًا.
5. عملية الصفرا للقضاء على ميليشيا النمور.
والعملية كانت جزءًا من توحيد القوة المسلحة المسيحية.
الفصل التاسع عشر
ما الذي لا ينبغي أن يقال كحقيقة؟
هناك مجموعة من العبارات المتداولة سياسيًا التي تحتاج إلى أدلة أقوى مما هو متوفر:
«بشير الجميل أمر بكل مجزرة»
غير مثبت.
هناك عمليات مرتبطة بقواته بصورة قوية، لكن إثبات أمر شخصي لكل مجزرة يتطلب وثيقة أو شهادة مباشرة لكل واقعة.
«كل القوات اللبنانية شاركت في صبرا وشاتيلا»
غير صحيح كاستنتاج.
المثبت هو مشاركة وحدات من القوات الكتائبية.
«كل المفقودين قتلوا على يد القوات اللبنانية»
غير صحيح.
المفقودون ارتبطوا بأطراف متعددة.
«تفجير سيدة النجاة ثبت أنه من تنفيذ القوات اللبنانية»
لا يمكن صياغته بهذه القطعية بناءً على المصادر الحقوقية التي راجعتها؛ هيومن رايتس ووتش قالت إن مسؤولية القوات لم تكن قد حُسمت قضائيًا. (Refworld)
«إسرائيل لم تكن مسؤولة عن صبرا وشاتيلا»
أيضًا غير دقيق.
اللجنة التي حققت في القضية حملت مسؤولين إسرائيليين مسؤولية قيادية عن عدم منع المجزرة، مع بقاء التنفيذ المباشر منسوبًا إلى القوات الكتائبية. (PalQuest)
الفصل العشرون
الاستنتاج النهائي
بعد مقارنة الوثائق والشهادات والتحقيقات الرسمية والدراسات الأكاديمية والتقارير الحقوقية، يمكن الوصول إلى نتيجة أكثر دقة من الروايات السياسية المتعارضة:
أولًا: القوات اللبنانية والكتائب ليستا مسؤولتين عن كل جرائم الحرب اللبنانية، لأن الجرائم ارتكبتها أطراف عديدة.
ثانيًا: توجد حالات موثقة بدرجات قوية جدًا شاركت فيها القوات الكتائبية أو القوات المرتبطة ببشير الجميل في عمليات قتل جماعي ومجازر وتصفية خصوم.
ثالثًا: صبرا وشاتيلا هي الحالة التي تملك أقوى سلسلة إثبات: تحقيق رسمي، شهود، وثائق عسكرية، معلومات وصلت أثناء العملية، وربط مباشر بين القوات الكتائبية والقتل. (PalQuest)
رابعًا: إهدن مثال قوي على استخدام القوة لتصفية منافس سياسي داخل البيئة المارونية، وتوجد دراسة أكاديمية محكمة تربط العملية بمشروع بشير الجميل لتوحيد القوة المارونية. (Bar-Ilan University)
خامسًا: الكرنتينا وتل الزعتر والسبت الأسود تظهر فيها مشاركة القوات المسيحية والكتائب بدرجات متفاوتة، لكن الأرقام والمسؤولية الفردية تحتاج إلى حذر.
سادسًا: تفجير سيدة النجاة حالة مختلفة تمامًا؛ الاتهام ضد القوات كان رسميًا، واعتُقل وحوكم أفراد منها، لكن مصادر حقوقية مستقلة أشارت إلى أن مسؤولية القوات عن التفجير لم تكن محسومة قضائيًا، وأن إجراءات المحاكمة نفسها شابتها مشكلات خطيرة. (Refworld)
سابعًا: أكبر مشكلة في الوصول إلى الحقيقة ليست فقط نقص الأدلة، بل أيضًا أن الدولة اللبنانية لم تنشئ بعد الحرب آلية شاملة للمحاسبة على جرائم الحرب والاختفاءات، وأن قانون العفو ساهم في إبقاء كثير من الملفات خارج القضاء. (Human Rights Watch)
الخلاصة الاستقصائية
الدليل الأقوى لا يقول إن «القوات اللبنانية فعلت كل شيء»، ولا يقول إنها «بريئة من الجرائم».
بل يقول شيئًا أكثر تحديدًا:
في عدد من الوقائع الكبرى، توجد أدلة تاريخية قوية على تورط قوات كتائبية/قوات لبنانية في القتل والمجازر؛ وفي صبرا وشاتيلا تحديدًا، يوجد تحقيق رسمي مفصل حمّل القوات التي دخلت المخيمات مسؤولية الفظائع، بينما حمّل القيادة الإسرائيلية مسؤولية أخرى تتعلق بعدم منع المجزرة. وفي ملفات أخرى، تبقى الأدلة غير كافية لإسناد المسؤولية الفردية أو القيادية بصورة قاطعة.
وهذا هو الحد الذي يمكن أن يصل إليه التحقيق استنادًا إلى الأدلة المتاحة، من دون تحويل الاتهامات السياسية إلى «حقائق» لا تثبتها الوثائق.
أهم المصادر الأصلية والحقوقية
- لجنة كاهان، تقرير التحقيق في أحداث مخيمات بيروت، 7 شباط/فبراير 1983 — المصدر الأساسي في صبرا وشاتيلا. (PalQuest)
- Amnesty International، Lebanon: Human Rights Developments and Violations، 1997 — الاختفاءات والعفو والإفلات من العقاب. (Amnesty International)
- Human Rights Watch، World Report 1995: Lebanon — القوات اللبنانية، تفجير سيدة النجاة، والاعتقالات والمحاكمات. (Refworld)
- Human Rights Watch، Lebanon: A Legacy of Sectarian Violence، 1995 — الإفلات من العقاب والتحقيق في جرائم الحرب. (Human Rights Watch)
- Dan Naor، The Ehden Massacre of 1978 in Lebanon، Journal of the Middle East and Africa، 2016 — ملف إهدن. (Bar-Ilan University)
- Amnesty International، Never Forgotten: Lebanon’s Missing People، 2011 — ملف المفقودين. (Amnesty International)
صوت سياسي» منصة إعلامية سياسية مستقلة تتيح للكتّاب والباحثين والمحللين نشر المقالات والآراء والتحليلات السياسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار حول القضايا السياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مع الالتزام بالمهنية واحترام تعدد الآراء



