تلة علي الطاهر: مفتاح الجنوب أم شرارة الحرب المقبلة؟
ليست تلة علي الطاهر مجرد مرتفع جغرافي في جنوب لبنان، كما أنها لم تعد مجرد نقطة عسكرية ضمن خريطة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». ما يجري حولها اليوم يحمل دلالات تتجاوز حدود التلة نفسها، لأن الموقع تحول إلى عقدة عسكرية وسياسية تتقاطع عندها حسابات الأمن الإسرائيلي، ومستقبل انتشار «حزب الله»، ودور الدولة اللبنانية، وحدود أي تسوية مقبلة.
تقع التلة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، شمال نهر الليطاني، وترتفع قرابة 600 متر عن سطح البحر، ما يمنحها إشرافًا واسعًا على النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان ومناطق حيوية من الجنوب. وهذه الجغرافيا تحديدًا هي التي تفسر لماذا أصبحت «علي الطاهر» واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد العسكري الحالي. (AA)
لكن أهمية التلة لا تتوقف عند ارتفاعها. ففي الحساب العسكري، السيطرة على المرتفعات تعني القدرة على المراقبة، والتحكم بالنيران، وحرمان الخصم من استخدام الموقع كنقطة ارتكاز أو مراقبة. ولهذا تبدو المعركة حول «علي الطاهر» جزءًا من محاولة أوسع لإعادة رسم البيئة العسكرية جنوب الليطاني وشماله، وليس مجرد عملية للسيطرة على بضعة كيلومترات من الأرض.
لماذا تتمسك إسرائيل بعلي الطاهر؟
الجواب الإسرائيلي يرتبط بما تعتبره تل أبيب تهديدًا أمنيًا مستقبليًا. فإسرائيل لا تريد العودة إلى معادلة تسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء قدراته العسكرية بالقرب من الحدود، ولذلك فإن السيطرة على المرتفعات الاستراتيجية أو تحييدها تصبح، من وجهة نظرها، جزءًا من إنشاء منطقة أمنية تمنع إعادة التموضع.
وقد ظهر ذلك بوضوح في التطورات الأخيرة، إذ ربطت إسرائيل وقف إطلاق النار بانسحاب عناصر «حزب الله» من مرتفعات علي الطاهر وتسليمها للجيش اللبناني، في مؤشر على أن التلة تحولت من هدف عسكري إلى ورقة تفاوضية مباشرة. (Arab News)
وهنا تكمن النقطة الأخطر: عندما تتحول تلة إلى شرط سياسي في مفاوضات وقف النار، فهذا يعني أن قيمتها لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت مرتبطة بموازين القوة وبشكل الترتيبات التي ستنشأ في جنوب لبنان.
«علي الطاهر» في الحساب اللبناني
بالنسبة إلى لبنان، المسألة أكثر تعقيدًا.
فأي وجود إسرائيلي دائم أو شبه دائم في مرتفع لبناني سيُنظر إليه باعتباره مساسًا بالسيادة اللبنانية، في حين أن بقاء قوة مسلحة خارج القرار الرسمي للدولة سيبقي السؤال حول السلاح والسيادة مفتوحًا.
وهكذا يجد لبنان نفسه أمام معادلة صعبة:
إسرائيل تريد ضمانات أمنية قبل الانسحاب، وحزب الله يريد إنهاء الوجود الإسرائيلي قبل تقديم تنازلات عسكرية، والدولة اللبنانية تريد استعادة سيادتها من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو حرب جديدة.
وهذه المعادلة هي جوهر الأزمة، أما «علي الطاهر» فهي إحدى أكثر نقاطها وضوحًا على الأرض.
هل أصبحت التلة عنوانًا لحرب جديدة؟
التطورات الأخيرة لا تسمح بالتعامل مع ما يحدث باعتباره حادثًا ميدانيًا عابرًا.
ففي 15 آب/أغسطس، شهد جنوب لبنان تصعيدًا إسرائيليًا أسفر، وفق وزارة الصحة اللبنانية، عن مقتل 11 شخصًا وإصابة 19، في واحدة من أكثر الضربات دموية منذ بدء الترتيبات الحالية لوقف النار. كما أعلنت إسرائيل أن عملياتها جاءت عقب نشاط نسبته إلى «حزب الله» في منطقة مرتفعات علي الطاهر. (Reuters)
وفي الوقت نفسه، تتحدث تقارير عن محاولات إسرائيلية متكررة للتقدم في المنطقة، وعن قصف مكثف للتلة ومحيطها، فيما بقيت الروايات حول السيطرة الفعلية عليها متناقضة؛ إذ سبق للجيش الإسرائيلي أن أعلن السيطرة الكاملة عليها في حزيران، بينما نفى «حزب الله» ذلك وأكد استمرار وجوده في المنطقة. (euronews)
وهذه المفارقة مهمة جدًا: إذا كانت السيطرة محسومة فعلًا، فلماذا يستمر القتال والضغط العسكري حولها؟
الجواب المحتمل أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على القدرة على تثبيت السيطرة ومنع الخصم من إعادة استخدامها أو تحويلها إلى نقطة استنزاف.
السيناريو الأول: حرب واسعة
السيناريو الأكثر خطورة هو أن تتحول «علي الطاهر» إلى شرارة لجولة واسعة.
قد يبدأ الأمر بعملية محدودة، ثم يأتي الرد الإسرائيلي، ثم رد مقابل، قبل أن تتوسع دائرة الاستهدافات وتدخل مناطق أخرى من الجنوب وربما العمق اللبناني.
هذا السيناريو ممكن، لكنه ليس بالضرورة السيناريو الأكثر ترجيحًا؛ لأن إسرائيل تعرف كلفة الحرب الطويلة، و«حزب الله» يعرف أن لبنان لا يحتمل حربًا مفتوحة جديدة، بينما لا تبدو القوى الدولية معنية بانفجار شامل قد يفتح جبهة إقليمية أوسع.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة
هذا، في تقديري، هو السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب.
لن تكون هناك بالضرورة حرب شاملة، ولا سلام حقيقي.
بل ستستمر إسرائيل في ضرب مواقع تعتبرها تهديدًا، ومحاولة تثبيت واقع أمني جديد، فيما يحاول «حزب الله» منع تحويل الجنوب إلى منطقة خالية من قدرته على الحركة.
وسيكون عنوان المرحلة:
ضربات محدودة، ردود محسوبة، ضغوط سياسية، ووساطات متواصلة.
وهذا السيناريو قد يكون أخطر من الحرب القصيرة؛ لأن الحرب القصيرة لها بداية ونهاية واضحتان، بينما حرب الاستنزاف تستهلك الدولة والمجتمع والاقتصاد، وتُبقي لبنان في حالة عدم استقرار دائم.
السيناريو الثالث: صفقة سياسية
هناك سيناريو ثالث لا ينبغي إغفاله: أن تتحول «علي الطاهر» نفسها إلى مدخل لتسوية.
قد تقوم التسوية على ترتيبات أمنية تضمن عدم استخدام المنطقة عسكريًا، مع دور أكبر للجيش اللبناني، وانسحاب إسرائيلي تدريجي، وترتيبات رقابة وضمانات دولية، بالتوازي مع معالجة ملف سلاح «حزب الله» ضمن مسار سياسي لبناني أوسع.
وهذا السيناريو، رغم صعوبته، هو الوحيد الذي يمكن أن يحول «علي الطاهر» من عنوان مواجهة إلى عنوان تسوية.
لكن المشكلة أن كل طرف يريد أن يدخل هذه التسوية من موقع قوة.
ما الذي تريده إسرائيل فعليًا؟
السؤال الأهم ليس: هل تريد إسرائيل السيطرة على «علي الطاهر»؟
بل: ماذا تريد إسرائيل أن تفعل بعد السيطرة عليها؟
إذا كان الهدف مجرد منع استخدام الموقع عسكريًا، فقد تكون السيطرة المؤقتة أو ترتيبات المراقبة كافية.
أما إذا كان الهدف إنشاء حزام أمني دائم يمتد إلى عمق الأراضي اللبنانية، فإن القضية تصبح مختلفة تمامًا، لأنها تعني تغييرًا جغرافيًا وأمنيًا وسياسيًا في جنوب لبنان.
وهنا يصبح القلق اللبناني مشروعًا: لأن أي منطقة أمنية دائمة داخل الأراضي اللبنانية قد تتحول من إجراء عسكري مؤقت إلى واقع سياسي دائم.
وماذا عن حزب الله؟
بالنسبة إلى «حزب الله»، التخلي عن «علي الطاهر» لا يتعلق بالتلة وحدها.
إنه يتعلق بصورة الردع.
فإذا استطاعت إسرائيل فرض السيطرة على موقع استراتيجي من دون كلفة كبيرة، فقد تعتبر ذلك سابقة تسمح لها بالمطالبة بمواقع أخرى. ولذلك فإن المعركة حول التلة تحمل بعدًا رمزيًا وعسكريًا في الوقت نفسه.
لكن الحزب يواجه في المقابل معضلة مختلفة: هل يخوض مواجهة واسعة لمنع خسارة موقع استراتيجي، أم يقبل بتسوية تحفظ جزءًا من قدرته وتمنع تدمير لبنان مجددًا؟
وهذا القرار لن يكون عسكريًا فقط؛ بل سياسيًا وإقليميًا أيضًا.
لبنان أمام لحظة حاسمة
أخطر ما في المشهد أن لبنان قد يجد نفسه مرة أخرى أمام معادلة لا يملك وحده قرارها.
إذا توسعت الحرب، سيدفع اللبنانيون الثمن.
وإذا استمرت إسرائيل في الاحتفاظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، ستبقى السيادة اللبنانية منقوصة.
وإذا بقي ملف السلاح خارج إطار الدولة من دون معالجة سياسية، سيبقى لبنان معرضًا لتكرار الحرب.
لذلك فإن الحل الحقيقي لا يكمن في معرفة من سيرفع علمه فوق «علي الطاهر»، بل في الوصول إلى صيغة تجعل الأرض اللبنانية تحت سلطة الدولة اللبنانية، وتمنع في الوقت نفسه تحويل لبنان إلى منطقة أمنية مفتوحة للجيش الإسرائيلي.
الخلاصة: التلة ليست الهدف الأخير
«علي الطاهر» مهمة، لكنها ليست الحرب كلها.
إنها مؤشر على اتجاه الحرب.
فإذا بقيت المعركة محصورة في محيط التلة، مع استمرار الاتصالات والوساطات، فقد نكون أمام مرحلة استنزاف طويلة تنتهي بتسوية.
أما إذا تحولت المعركة إلى محاولة لفرض وجود إسرائيلي دائم شمال الليطاني، أو إلى عملية عسكرية كبيرة لإخراج «حزب الله» بالقوة، فإن قواعد الاشتباك قد تنهار، وعندها لن تبقى «علي الطاهر» مجرد تلة، بل قد تصبح نقطة انطلاق لمواجهة أوسع.
والأرجح، في المدى القريب، أن يستمر التصعيد المضبوط بالتوازي مع التفاوض. فالأطراف ترفع سقف شروطها بالنار، لكنها لا تبدو راغبة في دفع الكلفة الكاملة لحرب شاملة.
لكن التاريخ السياسي للمنطقة يقول إن أخطر الحروب تبدأ أحيانًا من حادث صغير، عندما تفشل الأطراف في السيطرة على مسار التصعيد.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس:
من يسيطر على علي الطاهر؟
بل:
هل تستطيع الدبلوماسية أن تمنع علي الطاهر من أن تتحول إلى شرارة حرب جديدة في لبنان؟
فإذا فشلت الدبلوماسية، قد تكون التلة بداية معركة أكبر من مساحتها بكثير. وإذا نجحت، فقد تكون «علي الطاهر» أول اختبار حقيقي لترتيب أمني وسياسي جديد في جنوب لبنان.
حسين محمود صالح كاتب وناشط سياسي وحقوقي وإعلامي، ومؤسس منصة «صوت سياسي» التي تعطي فرصة للكتاب لنشر افكارهم بحرية ، وهو عضو في رابطة الكتاب العرب. يكتب في عدد من المواقع والمنصات العربية والدولية، وينشر مقالاته ودراساته باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، متناولًا القضايا السياسية والحقوقية والفكرية والشأن العام العربي والدولي. ويتركز نشاطه على الكتابة والتحليل السياسي والحقوقي، والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، وتعزيز الحوار والوعي بالقضايا العربية والدولية.



