جاري التحميل الآن

الجولاني أمام اختبار الدولة: هل تغيّر الرجل أم تغيّر الدور

شكّل صعود أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، واحدًا من أكثر التحولات السياسية إثارة للجدل في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فالرجل الذي ارتبط اسمه لسنوات بجبهة النصرة ثم بهيئة تحرير الشام، انتقل بعد إسقاط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى موقع رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا. ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال يتعلق بماضيه العسكري والأيديولوجي فحسب، بل أصبح السؤال الأهم: هل يستطيع الشرع أن يتحول من قائد حركة مسلحة إلى رجل دولة يبني نظامًا سياسيًا تعدديًا، أم أن سوريا تشهد انتقالًا من سلطة مركزية إلى سلطة مركزية جديدة بوجوه مختلفة؟  

من الجهادية إلى البراغماتية

لفهم شخصية الشرع السياسية، لا يمكن تجاهل ماضيه. فقد صعد داخل البيئة الجهادية، وقاد تنظيمات مسلحة في سوريا، قبل أن يبدأ تدريجيًا في إعادة تقديم نفسه بوصفه سياسيًا براغماتيًا أكثر اهتمامًا ببناء مؤسسات الحكم وإدارة الدولة.

هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الماضي أصبح بلا أهمية، لكنه يكشف عن قدرة سياسية واضحة على إعادة التموضع وفق تغير موازين القوى. ففي إدلب، حيث كانت هيئة تحرير الشام القوة المسيطرة، اتجه الشرع إلى بناء هياكل إدارية وتقديم نفسه بصورة أكثر اعتدالًا، وهو ما ساعده لاحقًا في الانتقال من صورة قائد فصيل إلى صورة رجل دولة. وتشير تحليلات سياسية إلى أن هذا المسار البراغماتي كان جزءًا أساسيًا من استراتيجيته منذ ما قبل سقوط الأسد.  

لكن البراغماتية السياسية لها وجهان. فمن جهة، يمكن أن تكون دليلًا على تطور سياسي حقيقي وإدراك لتعقيدات المجتمع السوري. ومن جهة أخرى، يمكن أن تكون مجرد تكيف تكتيكي مع متطلبات الوصول إلى السلطة والاعتراف الدولي. والحكم على الشرع لن يكون من خلال تصريحاته أو خطابه الإعلامي، وإنما من خلال المؤسسات التي يبنيها، ومدى استقلالها عنه.

السلطة: بين بناء الدولة وتركيز القرار

بعد سقوط الأسد، ورث الشرع دولة منهكة ومجتمعًا ممزقًا واقتصادًا محطمًا، إضافة إلى تعدد القوى المسلحة والمناطقية والطائفية. لذلك كان بناء سلطة مركزية قادرة على منع انهيار الدولة تحديًا حقيقيًا.

وقد أُعلن عن مرحلة انتقالية وإعلان دستوري، وشُكّل مجلس تشريعي انتقالي، لكن طبيعة هذه المؤسسات أثارت أسئلة حول حجم المشاركة الشعبية وحدود السلطة الرئاسية. وفي يوليو/تموز 2026، بدأ البرلمان الانتقالي عمله، مع بقاء صلاحيات واسعة بيد الشرع خلال المرحلة الانتقالية.  

وهنا تظهر المعضلة الأساسية: الدولة تحتاج إلى سلطة قوية كي تستعيد احتكارها للسلاح وتفرض القانون، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى مؤسسات مستقلة حتى لا تتحول عملية بناء الدولة إلى إعادة بناء الاستبداد.

وتزداد حساسية المسألة عندما تكون المعارضة السياسية ضعيفة، والانتخابات الشعبية الشاملة لم تُجرَ بعد. فالاستقرار الذي يتحقق عبر تركيز السلطة قد يكون مفيدًا على المدى القصير، لكنه يصبح خطرًا إذا تحول إلى نظام دائم.

الأقليات والاختبار الأصعب

ربما يكون تعامل الشرع مع الأقليات السورية الاختبار الأكثر أهمية لمشروعه السياسي. فسوريا ليست مجتمعًا متجانسًا، بل تضم عربًا وكردًا، وسنة وعلويين ومسيحيين ودروزًا وغيرهم.

وقد واجهت الحكومة الانتقالية تحديات وتوترات مع جماعات كردية وعلوية ودرزية، فيما يرى باحثون أن مسألة تمثيل هذه المكونات وضمان حقوقها ستحدد إلى حد كبير مستقبل شرعية النظام الجديد.  

وهنا ينبغي الفصل بين الأمن والوحدة الوطنية من جهة، وفرض التجانس السياسي أو الثقافي من جهة أخرى. فمن حق أي حكومة أن تسعى إلى وحدة الأراضي السورية واحتكار الدولة للسلاح، لكن نجاحها الحقيقي يتطلب أن يشعر المواطن الكردي والعلوي والدرزي والمسيحي بأن الدولة الجديدة هي دولته أيضًا، وليست دولة جماعة انتصرت عسكريًا.

العلاقة مع الخارج: من العزلة إلى الاعتراف

التحول الأكثر لفتًا للنظر في شخصية الشرع السياسية هو انتقاله من موقع كان مرتبطًا بتنظيم جهادي إلى زعيم يتعامل مع عواصم غربية وعربية وإقليمية.

وقد شهدت سوريا الجديدة تحسنًا في العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول عربية، بالتوازي مع إعادة صياغة العلاقة مع روسيا. وفي أغسطس/آب 2026، أعلنت دمشق وروسيا اتفاقًا بشأن قاعدتي حميميم وطرطوس، في مؤشر على إعادة ترتيب العلاقة بين البلدين بعد سقوط الأسد. كما تحسنت العلاقات السورية مع الغرب بصورة ملحوظة مقارنة بمرحلة الأسد.  

لكن الانفتاح الدولي لا يعني بالضرورة نجاحًا سياسيًا داخليًا. فالدول تتعامل مع الحكومات وفق مصالحها الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية. وبالتالي، فإن حصول الشرع على اعتراف دولي متزايد يمثل فرصة لسوريا، لكنه لا يشكل وحده شهادة على ديمقراطية النظام أو احترامه للتعددية.

الاقتصاد هو الامتحان الحقيقي

السياسة الخارجية والمؤتمرات الدولية تمنح أي حكومة صورة إيجابية، لكن المواطن السوري سيحكم على الشرع من خلال حياته اليومية: الكهرباء، العمل، الأسعار، الأمن، التعليم، الصحة، وعودة ملايين النازحين واللاجئين.

وهذه مهمة ضخمة؛ لأن النظام الجديد ورث اقتصادًا مدمرًا بعد سنوات الحرب والعقوبات والفساد. وقد تعرضت الحكومة خلال 2026 لانتقادات مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية وبأسلوب إدارة الدولة، وهو ما ساهم أيضًا في إعادة تشكيل الحكومة.  

ولهذا فإن نجاح الشرع لن يقاس فقط بقدرته على إسقاط الأسد، بل بقدرته على تحويل الانتصار العسكري إلى مؤسسات اقتصادية وسياسية قابلة للحياة.

هل تغير الجولاني فعلًا؟

السؤال الأكثر حساسية هو: هل أحمد الشرع اليوم شخص مختلف عن الجولاني الذي عرفته سوريا قبل سنوات؟

الإجابة الأكثر توازنًا هي: هناك تحول واضح في السلوك السياسي والخطاب، لكن من المبكر اعتبار التحول نهائيًا.

لقد انتقل الرجل بالفعل من العمل المسلح إلى الحكم، ومن الخطاب الجهادي إلى الدبلوماسية، ومن إدارة منطقة محدودة إلى محاولة إدارة دولة كاملة. لكن التحول الحقيقي لا يُقاس بتغيير الاسم والملابس والخطاب، وإنما بمدى قدرة الحاكم على قبول القيود التي تفرضها المؤسسات والقانون، والسماح بالمعارضة، وحماية الأقليات، وإجراء انتخابات حقيقية، وعدم احتكار الدولة لحساب شبكة سياسية أو عسكرية واحدة.

الخلاصة

أحمد الشرع يمثل اليوم مفارقة سياسية سورية: فهو في الوقت نفسه أحد أبرز مهندسي سقوط نظام الأسد، وأحد أكثر الشخصيات إثارة للقلق بسبب ماضيه وطريقة تركيز السلطة في المرحلة الانتقالية.

ومن الخطأ اختزاله في صورة «جهادي سابق» فقط، كما أن من الخطأ المقابل اعتباره «رجل دولة ديمقراطيًا» قبل اكتمال التجربة. الحقيقة تقع في منطقة أكثر تعقيدًا: رجل سياسي براغماتي يحاول تثبيت سلطة جديدة في دولة خارجة من حرب طويلة، بينما لا يزال ماضيه، وتركيز السلطة، وضعف المشاركة السياسية، والعلاقة مع الأقليات، تحدد الأسئلة الكبرى حول مستقبله.

وفي النهاية، لن يحسم التاريخ الحكم على الشرع من خلال الطريقة التي وصل بها إلى دمشق، بل من خلال الطريقة التي سيغادر بها السلطة إن انتهت مرحلته، أو الطريقة التي سيحكم بها سوريا إذا طال بقاؤه فيها. فإذا نجح في بناء مؤسسات تتجاوز شخصه، وإجراء انتخابات حقيقية، وضمان حقوق السوريين بمختلف مكوناتهم، فقد يصبح انتقاله من قائد مسلح إلى رجل دولة واحدًا من أكثر التحولات السياسية إثارة في المنطقة. أما إذا بقيت المؤسسات مرتبطة بشخصه وشبكته، فقد يكون التغيير قد أسقط نظامًا، لكنه لم ينجح بعد في تغيير طبيعة الحكم

IMG_1295 الجولاني أمام اختبار الدولة: هل تغيّر الرجل أم تغيّر الدور
omarhamdan@gmail.com   More Posts

ناشط سياسي و معتقل سابق في سجون الاسد ، يهتم في الشؤون السياسية السورية

قد تكون فاتتك